ورغما عن أن أحزاب الشرك والكفر التي تجمعت حول المدينة ألقى الله في قلوبها الرعب، واضطرت إلى الرحيل، فإن المنافقين ظلوا في شك من هذا الأمر، معتقدين أنها لا تزال تحاصر المدينة، ففروا إلى بيوتهم، حرصا على السلامة، وذلك قوله تعالى : يحسبون الأحزاب لم يذهبوا .
على أن أمنية المنافقين كانت هي أن يقع زحف الأحزاب على المدينة وهم متغيبون عنها في البادية بين الأعراب، حتى لا يتورطوا في نزال ولا قتال، ويكتفوا في هذه الحالة بمجرد السؤال : ما هي أنباء المعركة التي تدور بين المسلمين وأعدائهم ؟ وذلك قوله تعالى : وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم وإذا تظاهر أحد منهم بالاستعداد لخوض المعركة، رغبة في التجسس وحب الاستطلاع، لم يبذل إلا أقل التضحيات وأضعف الجهود، كما قال تعالى في نفس السياق : ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا( ٢٠ ) ، تأكيدا لقوله تعالى في وصفهم أوائل هذا الربع : ولا يأتون البأس إلا قليلا .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري