ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ

وإن كنتن تردن الله أي مراتب القرب إلى الله ومرضاته قرب ورسوله نعماء والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن يعني لمن أرادت رضوان الله ورسوله والدار الآخرة فإنها هي المحسنة إذ الإحسان أن تعبد ربك بالحضور كأنك تراه أجرا عظيما قال البغوي وكانت تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ تسع نسوة خمس من قريش عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمرو أم حبيبة بنت أبي سفيان وأم سلمة بنت أمية وسودة بنت زمعة وأربع من غير قريش زينب بنت جحش الأسدية وميمونة بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية وجويرية بنت الحارث المصطلقية ولما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة ورأت الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعنها على ذلك قال قتادة : فلما اخترن الله ورسوله شكرهن على ذلك وقصره عليهن فقال :( لا يحل لك النساء من بعد ).
أخرج مسلم وأحمد والنسائي من طريق أبي الزبير عن جابر قال أقبل أبو بكر ليستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يؤذن له ثم أقبل عمر فا ستأذن فلم يؤذن له ثم أذن لهما فدخلا والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه واجما ساكتا قال فقال عمر لأقولن شيئا أضحك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لو رأيت بنت خارجة سألني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال هن حولي كما ترى يسأ لنني النفقة فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها وقام عمر على حفصة يجأ عنقها كلاهما يقولان لا تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا ما ليس عنده ثم اعتزلهن شهرا وتسعا وعشرين ثم نزلت هذه الآية قال فبدأ بعائشة قال يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك فقال وما هو يا رسول الله ؟ فتلا عليها الآيات فقالت أفيك يا رسول الله أستشير أبوي بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة أسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك قال لا تسأ لني امرأة منهن إلا أخبرتها إن الله لم يبعثني جحودا ولا مفتنا ولكنه بعثني مبشرا معلما (١) وفي الصحيح عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم أن لا يدخل على أزواجه شهرا قال الزهري فأخبرني عروة عن عائشة قالت فبدأني فقلت يا رسول الله إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا فإنك بتسع وعشرين أعدهن قال :" إن الشهر تسع وعشرون ".
فائدة :
قال البغوي اختلف العلماء في هذا الخيار هل كان ذلك تفويض الطلاق حتى يقع الطلاق بنفس اختيارها نفسها أم لا ؟ فذهب الحسن وقتادة وأكثر أهل العلم أنه لم يكن تفويض الطلاق بل خيرهن في طلب الطلاق فإن اخترن الدنيا فارقهن بدليل قوله تعالى : فتعالين أمتعكن وأسرحكن وذهب قوم إلى انه كان تفويض الطلاق لو اخترن أنفسهن كان طلاقا.
مسألة :
إذا قال الزوج لامرأته اختاري ونوى بذلك أن تطلق نفسها إن شاءت فلها أن تطلق نفسها ما دامت في المجلس فإن قامت منه أو أخذت في عمل آخر خرج الأمر من يدها لأنه تمليك الفعل منهيا والتمليكات يقتضي جوابا في المجلس كما في البيع قال صاحب الهداية لها خيار المجلس بإجماع الصحابة رضي الله عنهم وقال ابن همام قال ابن المنذر اختلفوا في الرجل يخير زوجته ؟ فقالت طائفة أمرها بيدها في المجلس فإن قامت من مجلسها فلا خيار لها روينا هذا القول عن عمر بن الخطاب وعثمان وابن مسعود رضي الله عنهم وفي أسانيدها مقال وبه قال جابر بن عبد الله وبه قال عطاء ومجاهد والشعبي والنخعي ومالك وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرازي وقالت طائفة أمرها بيدها في المجلس وبعدها وهو قول الزهري وقتادة وأبي عبيدة وابن نصر قال ابن المنذر وبه نقول لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة " لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك " وحكى صاحب المغني هذا القول من الصحابة عن علي رضي الله عنه وأجاب ابن الهمام عن قول ابن المنذر أن الرواية عن علي لم يستقر فقد روى عنه قول الجماعة كذا نص محمد في بلاغاته حيث قال بلغنا عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وجابر رضي الله عنهم في الرجل يخبر امرأته أن لها الخيار ما دامت في مجلسها ذلك فإذا قامت من مجلسها فلا خيار لها ولم يرو عن غيره من الصحابة ما يخالف ذلك فكان إجماعا سكوتيا وقوله في أسانيدها مقال لا يضر بعد تلقي الأمة بالقبول مع أن رواية عبد الرزاق عن جابر وابن مسعود جيدة وأما التمسك بقوله صلى الله عليه وسلم " لا تعجلي " فضعيف لأنه ليس في الآية تخيير الطلاق وتفويضه كما يدل عليه قوله تعالى : فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا .
مسألة :
لا بد من النية في قوله اختاري لأنه يحتمل تخيرها في نفسها ويحتمل تخيرها في تصرف آخر غيره.
مسألة :
إذ قال الزوج اختاري فقلت اخترت نفسي فالمروي عن عمر وابن مسعود وابن عباس أنها تقع واحدة رجعية وبه أخذ الشافعي وأحمد لأن قوله اختاري بمنزلة قوله طلقي نفسك وقولها اخترت نفسي بمنزلة قوله طلقت نفسي والواقع بها رجعي إجماعا ويأتي الكتاب دل على أن الطلاق يعقب الرجعة إلا الثالث وروى عن زيد بن ثابت أنه يقع الطلقات الثلاث وبه أخذ مالك في المدخول بها وفي غيرها يقبل منه دعوى الواحدة. وجه قول زيد أن اختيارها يقتضي ثبوت اختصاصها بها بحيث لا يكون لزوجها إليها سبيل من غير رضاءها وإلا لا يحصل فائدة التخيير إذا كان له أن يراجعها في الحال شاءت أو أبت وذلك الاختصاص لا يتصور إلا في البائن والطلاق يعقب الرجعة بالكتاب إلا أن يكون ثلاثا فيقع الثلاث وثبت عن علي رضي الله عنه أن الواقع به واحدة بائنة وبه قال أبو حنيفة رحمه الله لما ذكرنا أن اختصاصها بنفسها لا يتصور إلا بالبينونة والبينونة قد يكون بواحدة إجماعا كالطلاق بمال والطلاق قبل الدخول فيحمل عليه لحصول المقصود ولا وجه لجعله ثلاثا بعد حصول المقصود بواحدة وقد روى الترمذي عن ابن مسعود وعمر أن الواقع بها بائنة كما روى عنها الرجعية فاختلف الرواية عنهما قلت البينونة يتنوع إلى غليظة وخفيفة فإن نوى بها الزوج الغليظة لا بد أن يقع به ثلاثا لكن أبا حنيفة رحمه الله يقول عن قوله اختاري لا يدل على البينونة بل يفيد الخلوص والصفاء والبينونة يثبت فيه اقتضاء فلا يعم بل يقدر بقدر الضرورة بخلاف أنت بائن ونحوه فلا يقع الثلاث بقوله اختاري وإن نوى الثلاث لان النية إنما تعمل فيما يحتلمه اللفظ ويقع بقوله أنت بائن ثلاثا عن نوى الثلاث وبخلاف قوله اختاري اختاري اختاري لأن تعدد اللفظ يدل على تعدد المقصود.
مسألة
لو قالت اخترت زوجي بعدما قال لها إختاري لا يقع شيء عند الجمهور لان الزوج لم يطلقها بل جعل أمرها باختيارها وهي لم تختر الطلاق بل اختارت إبقاء النكاح وعن علي رضي الله عنه يقع رجعية كأنه جعل نفس اللفظ إيقاعا قال ابن همام لكم قوله عائشة " خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه ولم يعد علينا شيئا " (٢) رواه الستة وفي لفظ الصحيحين " فلم يعدد : يفيد عدم وقوع شيء كما قاله الجمهور قلت لما ذكرنا فيما سبق أن تخيير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن تخييرا للطلاق بل كان تخييرا في طلب الطلاق فلا يكون قول عائشة حجت على ما قاله الجمهور والله أعلم
مسألة :
ولا بد من ذكر النفس في كلامه أو كلامها حتى لو قال اختاري فقالت اخترت لا يقع الطلاق لأن هذا اللفظ للطلاق فكان القياس أن لا يقع بها شيء لأن التمليك فرع ملك المملك والزوج لا يملك إيقاع الطلاق بهذا اللفظ لكنا تركنا القياس وقلنا بوقوع الطلاق باختيارها بإجماع الصحابة والإجماع إنما هو في المفسر من أحد الجانبين بالنفس ولأن قوله اختاري مبهم يحتمل تخييرها في نفسها وتخييرها في تصرف آخر غيره والمبهم لا يصلح تفسيرا للمبهم ولا تعيين مع الإبهام ولما كان وقوع الطلاق بقوله اختاري معدولا عن سنن القياس مقتصرا على مورد الإجماع لا يكتفي بالنية وإن كان مع القرينة الحالية دون المقالية لعدم الإجماع هناك وقال الشافعي وأحمد يكتفي بالنية مع القرينة الحالية بعد أن نوى الزوج وقوع الطلاق به وتصادقا عليه وقال أبو حنيفة النية بدون احتمال اللفظ يلغو وإلا لوقع بمجرد النية مع لفظ لا يصلح له أصلا كأسقني وإنما تركنا القياس بموضع الإجماع قلت لكن قوله النية بدون احتمال اللفظ يلغوا ليس في محله فإن لفظ اختاري واخترت بدون ذكر النفس يحتمل تخييرها الطلاق واختارها إياه وغير ذلك وإن لم تكن نصا فيه ولذلك لو قال اختاري فقالت اخترت نفسي يقع الطلاق إن نوى الزوج لأن كلامها مفسرة وما نواه الزوج من محتملات كلامه وكذا لو قال اختاري اختاره فقالت قد اخترت طلقت أيضا لان الهاء في اختياره ينبئ عن الإتحاد والإنفراد واختيارها نفسها يتحد مرة ويتعدد أخرى فصار مفسرا من جانيه.
مسألة :
ولو قال الزوج اختاري فقالت أنا اختار نفسي فهي طالق والقياس أن لا يطلق لان هذا مجرد وعد أو يحتمله فصار كما إذا قال طلقي نفسك فقالت أنا أطلق نفسي قال صاحب الهداية وجه الاستحسان قول عائشة لا بل أختار الله ورسوله واعتباره صلى الله عليه وسلم جوابا منها لا يقال ذكر فيما سبق إن قصة عائشة لم يكن تخيرا في التطليق بل في طلب الطلاق لأنا نقول مقصودنا يحصل باعتباره صلى الله عليه وسلم جوابا للاختيار سواء كان الاختيار متعلقا بالتطليق أو طلب التطليق ولأن قولها أنا اختار نفسي حكاية عن حالة قائمة وهو اختيار نفسها بخلاف قولها أطلق نفسي لان حمله على الحال متعذر لأنه ليس حكاية عن حالة قائمة والله أعلم.

١ أخرجه مسلم في كتاب: الطلاق باب: بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية (١٤٧٨).
٢ أخرجه أبو داود في كتاب: الطلاق باب: في الخيار (٢٢٠٣) وأخرجه الكسائي في كتاب: النكاح باب: ما افترض الله على رسوله عليه السلام وحرمه على خلقه ليزيده إن شاء الله قربه إليه (٣١٩٤) وأخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق باب: الرجل يخير امرأته (٢٠٥٢)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير