الأمر بتقوى الله واتباع الوحي والتوكل على الله
[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٣)البلاغة:
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا بينهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ أي دم على تقواه، وليتق الله المؤمنون، بأسلوب يقصد به تنبيه بالأعلى وهو النبي على الأدنى وهم المؤمنون، فإنه تعالى إذا أمر رسوله بالتقوى، كان المؤمنون مأمورين بها بطريق الأولى أو أنه أمر قصد به الثبات والاستدامة على التقوى. وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ فيما يخالف شريعتك وأوامر ربك. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً أي إن الله كان وما يزال عالما بكل شيء قبل وجوده، حكيما فيما يخلقه. وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أي القرآن. وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وكل أمرك إلى تدبيره. وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا حافظا لك، موكولا إليه كل الأمور، والأمة تبع له في المذكور كله.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن أهل مكة، ومنهم الوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة دعوا النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يرجع عن قوله، على أن يعطوه شطر أموالهم، وخوّفه المنافقون واليهود بالمدينة إن لم يرجع قتلوه، فنزلت الآيات. صفحة رقم 227
وذكر الواحدي في أسباب النزول: أن الآيات نزلت في أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور السّلمي قدموا المدينة بعد قتال أحد، فنزلوا على عبد الله بن أبيّ (زعيم المنافقين) وقد أعطاهم النبي صلّى الله عليه وسلّم الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم، وعنده عمر بن الخطاب: ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزّى ومناة، وقل: إن لها شفاعة ومنفعة لمن عبدها وندعك وربّك، فشقّ على النبي صلّى الله عليه وسلّم قولهم، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ائذن لنا يا رسول الله في قتلهم، فقال: «إني قد أعطيتهم الأمان» فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يخرجهم من المدينة، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
التفسير والبيان:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً أي يا أيها الرسول محمد، داوم على تقوى الله وخف عقابه بإطاعة أوامره واجتناب محارمه، ولا تسمع من الكافرين والمنافقين ولا تستشرهم في شيء، واحترس منهم، ولا تستجب لمطالبهم بتخصيص بعض المجالس والأوقات لهم وطرد الضعفاء، إن الله عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله، فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه، فإن أولئك الكفار أعداؤك الذين يريدون هلاكك.
وقوله: وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ نهي مؤكد لمضمون الأمر السابق، أي اتق الله تقوى تمنعك من طاعتهم.
روي أنه لما قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة، تابعه ناس من اليهود نفاقا، وكان يلين لهم جانبه، ويظهرون له النصح خداعا فحذره الله منهم، ونبهه إلى عداوتهم.
وقال طلق بن حبيب: التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله،
ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله مخافة عذاب الله.
ثم أكد الله تعالى وجوب امتثال أوامر الله، فقال:
وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً أي اعمل بمقتضى الوحي المنزل إليك من ربك من قرآن وسنة، فإن الله لا تخفى عليه خافية، يعلم بدقة بواطن الأشياء وظواهرها، ثم يجازيكم عليها. وقوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ.. علة للأمر باتباع الوحي، وإشارة إلى أن التقوى ينبغي أن تكون عن صميم قلبك، لا تخفي في نفسك تقوى غير الله.
ثم أمر تعالى رسوله بعد التزام الأوامر بتفويض الأمور إلى الله وحده، فقال:
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أي فوض جميع أمورك وأحوالك إلى الله، وكفى به وكيلا لمن توكل عليه، وأناب إليه. والمقصود أن الله عاصمك وحسبك، فهو وحده جالب النفع لك، ودافع الضر عنك.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١- إيجاب التقوى والمداومة عليها ومتابعة طاعة الله أمر عام مفروض على جميع البشر، سواء أكانوا أنبياء ورسلا وملائكة أم غيرهم، إلا أن الأنبياء والملائكة المعصومين من المعصية يؤمرون بالتقوى تعليما وإرشادا لغيرهم، وتنبيها بالأعلى على الأدنى. ويلاحظ أن الله تعالى لم يخاطب نبيه محمدا صلّى الله عليه وسلّم إلا بلفظ النبوة والرسالة: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ يا أَيُّهَا الرَّسُولُ ولم يخاطبه باسمه، تعظيما لشأنه، وإشادة بمقامه، وتعليما لنا للأدب معه، مع أنه تعالى خاطب الأنبياء بأسمائهم فقال: يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا [هود ١١/ ٤٨]
يا إِبْراهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا [الصافات ٣٧/ ١٠٤- ١٠٥] يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي [الأعراف ٧/ ١٤٤].
٢- الأمر بالشيء نهي عن ضده، لذا منع الله سبحانه من طاعة الكافرين من أهل مكة ونحوهم والمنافقين من أهل المدينة وأمثالهم فيما نهى عنه، والتحذير من الميل إليهم، فإن الله عليم بكفرهم ونفاقهم، حكيم فيما يفعل بهم، والمقصود بذلك الاحتراس من مؤامراتهم ومكائدهم وخططهم المشبوهة.
والمراد بالكافرين من أهل مكة: أبو سفيان وأبو الأعور وعكرمة. والمراد بالمنافقين من أهل المدينة: عبد الله بن أبيّ، وطعمة بن أبيرق، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح.
٣- ومن الواجب أيضا اتباع الوحي من قرآن وسنة، وفي ذلك زجر عن اتباع مراسم الجاهلية. وأمر بجهادهم ومنابذتهم، وفيه دليل على ترك اتباع الآراء مع وجود النص، فلا مساغ للاجتهاد في مورد النص. والخطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم ولأمته.
٤- على المؤمن بعد اتخاذ الأسباب والوسائل أن يعتمد على الله في جميع أحواله، فهو الذي ينفع ويمنع، ولا يضر معه معارضة أحد من البشر أو مخالفته، وكفى بالله حافظا لجميع الأمور والأحوال.
والخلاصة: أن الله تعالى أراد بهذه الآيات غرس العزة والكرامة في نفوس المسلمين، والثقة بالذات، وعدم الالتفات إلى الأعداء، ومن أجل تحقيق تلك الغايات، قررت الآيات هذه الأحكام وهي أن الله عليم بالمصلحة والصواب، حكيم لا يأمر ولا ينهى إلا على وفق الحكمة والصواب، فالواجب الأول: امتثال الأمر وتنفيذ النهي، والواجب الثاني: اتباع وحي الله، فإن الله خبير بما يصلح أمور العباد، والواجب الثالث: التوكل على الله حقا، ومن يتوكل على الله فهو حسبه وكافيه، وكفى بالله وكيلا.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي