سورة الأحزاب
مدنية في قول جميع العلماء، وعدد آياتها سبعون آية.
نزلت هذه السورة تفضح المنافقين، وتبين إيذاءهم لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم وطعنهم فيه، وفي نكاحه لأزواجه. وكيف كان موقف المنافقين والكفار في غزوة الأحزاب وغيرها، مع بيان الآداب النبوية لبيت النبي، وقصة زيد بن حارثة، وغير ذلك من الآداب الإسلامية، التي يحتاجها المجتمع الإسلامى الجديد في المدينة وخاصة بعد غزوة بدر الكبرى.
توجيهات وآداب [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٣) ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥) صفحة رقم 71
المفردات:
تُظاهِرُونَ الظهار: أن يقول الرجل لامرأته أنت على كظهر أمى قصدا إلى تحريمها أَدْعِياءَكُمْ: جمع دعى، وهو من يدعى لغير أبيه على أنه ابنه وفي الواقع هو ابن غيره أَقْسَطُ: أعدل وأقوم وَمَوالِيكُمْ المراد: هم بنو عمومتكم جُناحٌ: ذنب.
المعنى:
يا أيها النبي دم على تقوى الله، واجتهد في الازدياد منها فإنها باب لا يبلغ مداه، وأنت أولى الناس بها، ولا تطع الكافرين والمنافقين، فلا تساعدهم على شيء، ولا تقبل لهم رأيا، ولا تجعل منهم صاحبا أو صديقا، ولا تطمع فيهم بل احترس منهم فإنهم أعداء الله ورسوله، إن الله كان عليما بحالك وحالهم، حكيما في كل ما أمر به..
روى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما هاجر إلى المدينة كان حريصا على إيمان اليهود فإنهم أهل كتاب، ولهم رأى وكلام مسموع في هذا الباب وخاصة عند العرب، وكان يعرف فيهم بعض المنافقين، ويلين لهم الجانب، ويعاملهم معاملة كريمة، ويسمع لهم ويطيع أمرهم، فنزلت.
روى أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبى جهل وأبا الأعور السلمى قدموا على النبي صلّى الله عليه وسلّم في الموادعة التي كانت بينه وبينهم. وقام معهم عبد الله بن أبىّ رأس المنافقين، ومعتب بن قشير، والجد بن قيس، فقالوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم ارفض ذكر آلهتنا، وقل: إنها تشفع وتنفع، وندعك وربك، فشق ذلك على النبي صلّى الله عليه وسلّم وعلى المؤمنين، وهمّ عمر- وكان حاضرا- بقتلهم، فنزلت
، وهذا نهى للنبي صلّى الله عليه وسلّم عن إطاعة الكفار والمنافقين، وأمر له بإعلان الحرب عليهم غير آبه بهم ولا ملتفت إليهم، وفي هذا من الخطر ما فيه عند العقلاء.
لذلك جاء الإسلام يعلل ويعالج، ولا يترك المحتاج يتخبط بل يرسم الطرق الحكيمة، ويضع العلامات واللافتات حتى تصبح الصراط المستقيم، فاستمع إلى القرآن وهو يغرس في نفوس المسلمين العزة والكرامة، ويربيهم على أنهم لا يلتفتون إلى الكفار والمنافقين مهما كان شأنهم، يقول: إن الله كان عليما بالمصلحة والصواب حكيما لا يأمر ولا ينهى إلا بداعي الحكمة الحكيمة. فنفذوا النهى، وامتثلوا الأمر فإن هذا خير لكم، والعلاج الثاني هو أن يتبع ومن معه ما يوحى إليه من لدن رب العالمين، إنه بما تعملون خبير فيوحى إليكم بكل نافع إذ هو خبير بالعباد بصير، والعلاج الثالث هو التوكل على الله حقا، والاعتماد على جنابه اعتمادا حقيقيا، لا شبهة فيه ولا ادعاء، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، وكفى به وكيلا.
يا لله، كأن القرآن ينادينا ويحذرنا من طاعة الكفار المنافقين والركون إليهم والاستماع لهم ما داموا يقفون منا موقف العناد، ويثيرون علينا غبار الذل والهوان، ولا علينا شيء بعد هذا، ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، ثم يقول: ثقوا بالله، إنه عليم حكيم فنفذوا أمره واجتنبوا نهيه، وعليكم باتباع القرآن وتنفيذه في كل صغير وكبير مع أنفسكم ومع إخوانكم وفي بيوتكم وأسركم، ثم بعد هذا توكلوا على الله فإنه من يتوكل عليه يكفيه كل مكروه، واعلموا أن الله يدافع عن الذين آمنوا.
وعلى هذا فالواجب علينا ما دمنا مؤمنين بالقرآن والنبي أن نطبق هذا الحكم، وأن نعالج أنفسنا وأمراضنا باتباع القرآن حقا في كل شيء، والتوكل على الله.
وانظر إلى قوله تعالى بعد هذا: ما جعل الله لرجل- أيا كان- قلبين في جوفه، والقلب محل التوجيه، ومبعث الاتجاهات والعواطف، فإذا كنت مع الله ورسوله وليس في قلبك مثقال ذرة من كفر أو نفاق، فلن تكون غير مؤمن صالح كامل متبع للقرآن داع له ولحكمه، متوكل على الله، والعرب تفهم في هذا أنه لا يجتمع اعتقادان متغايران في قلب كما لا يجتمع قلبان في جوف، ولا يصح أن تكون أخلاقنا وآدابنا من واد وديننا من واد، ونظامنا واقتصادنا من واد آخر.
ومن هنا كان استدراجا محكما حيث نفى اجتماع الزوجية مع الظهار، والتبني مع النسب الصريح بعد ما نفى وجود اجتماع اتجاهين مضادين في قلب واحد.
ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وما جعل أزواجكم اللاتي تظاهرون منهن أمهاتكم كما كانوا يقولون- على سبيل التحريم-: أنت على كظهر أمى، أى: أنت محرمة على كتحريم ظهر أمى على، فجعل زوجته كأمه، ولكن الله- سبحانه وتعالى- ما جعل الزوجة كالأم، وإن من يظاهر من امرأته ليقول منكرا من القول وزورا، فإذا عاد في ظهاره بمعنى أنه مضى عليه وقت يتمكن فيه من الطلاق ولم يطلق وجبت عليه كفارة الظهار (عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا) وسيأتى في سورة المجادلة تفصيل وبيان لذلك.
وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذكر القرطبي في تفسيره: أنه أجمع أهل التفسير على أن هذه نزلت في زيد بن حارثة،
وروى الأئمة أن ابن عمر قال: ما كنا ندعو زيد ابن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ.
وزيد هذا كان مسبيا من الشام، سبته خيل من تهامة فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد فوهبه لعمته خديجة ثم وهبته للنبي صلّى الله عليه وسلّم فأعتقه وتبناه، وقد اختار زيد الرق مع رسول الله على الحرية مع أهله وقومه، فتبناه النبي
وقال: «يا معشر قريش اشهدوا أنّه ابني يرثني وأرثه»
ومن هنا نفهم أن التبني كان معمولا به في الجاهلية، وأقره الإسلام مدة، ثم جاء فحرمه حيث قال:
ذلكم، أى: دعاؤكم الذين تبنيتموهم قول باللسان فقط لا أساس له من شرع أو عقل، وذلك تأكيد لبطلان القول بهذا، بل الواجب أن تدعوهم لآبائهم في النسب لا في التبني، فالله يقول الحق، وهو يهدى إلى سواء السبيل، والواجب أن تترك تلك العادة وأن تدعوا الإنسان إلى أبيه في النسب فقد قال الحق تبارك وتعالى ما معناه..
ادعوا الذين تبنيتموهم لآبائهم هو أقسط عند الله وأعدل، فمثلا يقال: زيد بن حارثة لا زيد بن محمد كما كان الناس يقولون.
فإن لم تعلموا آباءهم فهم إخوانكم في الدين ومن بنى عمومتكم فمثلا تقولون لغير معروف النسب: يا فلان. يا أخى. يا بن عمى.. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات ١٠].
ولو نسب الإنسان إلى أبيه من التبني لا من النسب فإن كان ذلك على جهة الخطأ من غير تعمد فلا إثم ولا مؤاخذة لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي