ﰂﰃﰄ

وقوله تعالى :
وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( ٤٢ ) [ الأحزاب ] التسبيح : هو التقديس، والتقديس هو التنزيه، فعن أي شيء ننزه الله ؟ قالوا : ننزه الله في ذاته، وفي أفعاله، وفي صفاته، فالله تعالى له وجود، ولك أنت وجود، وللنهر وللجبل وجود، لكن وجوده تعالى ليس كوجود ما سواه، وجوده تعالى عن غير عدم، أما وجود ما سواه فوجود عن عدم، هذا في الذات.
أما في الأفعال، فالله تعالى له فعل كما أن لك فعلا، لكن نزه ربك أن يكون فعله كفعلك، وهذا ما قلناه في حادثة الإسراء والمعراج، وفي الفرق بين سرى وأسري به، فإذا كان الفعل لله تعالى فلا تنظر إلى الزمن لأنه ليس فعلك أنت، بل فعل الله، وفعل الله بلا علاج، إنما يقول للشيء : كن فيكون.
وقلنا : إنه حتى في طاقات البشر نجد الفعل يأخذ من الزمن على قدر قوة فاعلة، فالولد الصغير ينقل في ساعة ما ينقله الكبير في دقيقة، فلو قست فعل الله بقدرته تعالى وجدت الفعل بلا زمن.
كذلك ننزه الله في صفاته، فالله تعالى له سمع نزه أن يكون كسمعك، وله وجه نزه أن يكون كوجهك.. إلخ كل هذا في إطار لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.. ( ١١ ) [ الشورى ].
وحين تستعرض آيات التسبيح في القرآن تجدها كثيرة، لكن للتسبيح طابع خاص إذا جاء في استهلالات السور، ففي أول الإسراء : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ.. ( ١ ) [ الإسراء ].
فبدأت السورة بتنزيه الله لما تحتويه من أحداث عجيبة وغريبة، لذلك قال بداية سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ.. ( ١ ) [ الإسراء ] فالله له التسبيح والتقديس ثابت قبل أن يفعل، وسبحان الله قبل أن يوجد المسبح، كما أنه تعالى خالق قبل أن يوجد من خلق، فهو بالخالقية فيه أولا خلق، كما قلنا في الشاعر : تقول فلان شاعر، هل لأنك سمعت له قصيدة أم هو شاعر قبل أن يقولها ؟ هو شاعر قبل أن يقولها، ولولا أنه شاعر ما قال.
والمتتبع لألفاظ التسبيح في القرآن يجد أنه ثابت لله تعالى قبل أن يخلق المسبحين في قوله سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ.. ( ١ ) [ الإسراء ] ثم بعد أن خلق الله الخلق سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ.. ( ١ ) [ الحشر ].
وما يزال الخلق يسبح في الحاضر : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ... ( ١ ) [ الجمعة ] فتسبيح الله كان وما يزال إلى قيام الساعة، لذلك يأمر الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم ومعه أمته ألا يخرج عن هذه المنظومة المسبحة، فيقول له :
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ( ١ ) [ الأعلى ].
وجاء الأمر بذكر الله وبعد الأمر بتسبيحه تعالى، وكأنه يقول لك كلما ذكرته : نزهه ذاتا وصفاتا وأفعالا، فمن مصلحتك في رحلة الحياة ألا يكون لله مثيل ولا شبيه ولا نظير ولا ند، لأن الجميع سيكونون تحت عدله سبحانه، فتنزيه الله لمصلحتك أنت أيها المسبح.
وسبق أن ذكرنا في ذلك قول أهل الريف ( اللي ملوش كبير يشتري له كبير )، فوجود كبير فوق الجميع يحميك أن يتكبر أحد عليك، إذن : عظمته تعالى وكبرياؤه من أعظم النعم علينا، فساعة تسبحه وتنزهه أحمد الله لأنه منزه، أحمد الله أنه لا شريك له، وأن الناس جميعا عنده سواء، احمد الله لأن كلامه وأمره نافذ على الجميع، أحمد الله أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وليس بينه وبين أحد من خلقه نسب.
وكيف لا نذكر الله ولا نسبحه ونحمده، وهو سبحانه الذي خلق الخلق، وقبل أن يخلقهم رتب لهم غاياتهم والخلق : إيجاد على تقدير لغاية بل وأعد لهم ما يخدمهم، فطرأ الإنسان على كون معد لاستقباله، فقبل أن يخلقه خلق له.
ثم ما كلفك بمنهجه مباشرة، إنما تركك تربع في نعمه، منذ ميلادك إلى سن البلوغ بدون تكليف، ومعنى البلوغ أن تصل سن الرشد فتقبل على الله بعقل وفكر. فالدين ليس تقليدا إنما عقيدة واقنتاع.
وسبق أن شبهنا نضج الإنسان بنضج الثمرة، فالثمرة لا تحلو إلا حين تنضج بذرتها، وتصير صالحة للإنبات إن زرعت، وهذه من عظمة الخالق سبحانه، ولو أن الثمرة تحلو وتستوي قبل نضج بذرتها لأكلنا الثمار مرة واحدة، ولما انتفع بها أحد بعدنا، ومثلنا لذلك ببذرة البطيخ إن وجدتها سوداء صلبة فاعلم أن ثمرتها استوت وحلت وصارت صالحة للأكل، وهذه المسألة جعلها الخالق سبحانه لحفظ النوع.
شيء آخر : بعد أن بلغت سن التكليف، أجاءك التكليف مستوعبا لكل حركة في حياتك ؟ أجاءك قيدا لك ؟ حين تتأمل مسائل التكليف تجدها في نطاق محدود أمرك الله فيه بافعل كذا ولا تفعل كذا، وهذه المنطقة لا تشغل أكثر من خمسة في المائة من حركة حياتك، وترك لك نسبة الخمسة والتسعين أنت حر فيها، تفعل أو لا تفعل، فأي عظمة هذه ! وأي رحمة التي يعاملنا بها ربنا عز وجل ! وهذا إن دل فإنما يدل على حب الخالق سبحانه لخلقه وصنعته. أفلا يستوجب ذلك منا ألا نغفل عن ذكره، وأن نكثر من تسبيحه وشكره، في كل غدوة وعشية.
والأعظم من هذا كله أنه سبحانه وتعالى جعل ذكرك له وتسبيحك إياه لصالحك أنت، وفي ميزانك، لذلك قال في الآية التي بعدها :
هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ( ٤٣ )

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير