هو الذي يُصلي عليكم وملائكتُه لمّا كان من شأن المصلي أن ينعطف في ركوعه وسجوده استعير لمَن ينعطف على غيره، حُنواً عليه، كحنو المرأة على ولدها. ثم كثر، حتى استعمل في الرحمة والترؤف، ومنه قولهم : صلى الله عليك، أي : ترحّم عليك وترأف. فإن قلت : صلاة الله غير صلاة الملائكة، فكيف اشتركا في العطف ؟ قلت : لاشتراكهما في قدر مشترك، وهو إرادة وصول الخير إليهم، إلا أنه منه تعالى برحمته، ومن الملائكة بالدعاء والاستغفار.
وذكر السدي : أن بني إسرائيل قالت لموسى عليه السلام : أيُصلي ربنا ؟ فكَبُر هذا الكلام على موسى عليه السلام، فأوحى الله إليه : أن قل لهم : إني أُصلي، وإنَّ صلاتي رحمتي، وقد وَسِعَتْ كل شيء. وفي حديث المعراج :" قلت : إلهي ؛ لَمَّا لحقني استيحاش قبل قدومي عليك، سمعت منادياً يُنادي بلغة، تُشبه لغةَ أبي بكر، فقال : قف، إن ربك يصلي، فعجبت من هاتين، هل سبقني أبو بكر إلى هذا المقام، وإن ربي لغنيٌّ عن أن يصلِّي ؟ فقال تعالى : أنا الغني عن أن أُصلّي لأحد، وإنما أقول : سبحاني، سبقت رحمتي غضبي. اقرأ يا محمد : هو الذي يُصلِّي عليكم. . . الآية، فصلاتي رحمة لك ولأمتك. ثم قال : وأما أمر صاحبك، فخلقت خلقاً على صورته، يُناديك بلغته، ليزول عنك الاستيحاش، لئلا يلحقك من عظيم الهيبة ما يقطعك عن فهم ما يراد منك ".
والمراد بصلاة الملائكة : قولهم : اللهم صَلّ على المؤمنين. جُعلوا لكون دعائهم بالرحمة مستجاباً كأنهم فاعلون الرحمة. والمعنى : هو الذي يترحّم عليكم ويترأف، حيث يدعوكم إلى الخير، ويأمركم بإكثار ذكره، ويأمر ملائكته يترحّمون عليكم، ويستغفرون لكم، ليقربكم، ويخصكم بخصائص ليست لغيركم. بدليل : ليُخرجكم من الظلمات إلى النور من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ثم من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة، ثم من ظلمات الغفلة إلى نور اليقظة، ثم من ظلمات الحجاب إلى نور العيان. وقيل : يُصَلِّي عليكم : يشيع لكم الذكر الجميل في عباده.
وكان الله بالمؤمنين رحيماً قد اعتنى بصلاح أمرهم، وإثابة أجرهم، واستعمل في خدمتهم ملائكتَه المقربين، وهو دليل على أن المراد بالصلاة : الرحمة، حيث صرَّح بكونه رحيماً بهم. قال أنس : لمّا نزل قوله تعالى : إن الله وملائكته يصلون على النبي قال أبو بكر : يا رسول الله ما خصك الله بشريف إلا وقد اشتركنا فيه، فأنزل قوله : هو الذي يُصلي عليكم. . . الخ.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" سَبَق المُفَرِّدُونَ "، قيل : مَن المفرِّدون يا رسول الله ؟ قال : المُسْتَهْتَرُون بذِكْرِ الله، يَضَعُ الذِّكرُ عنهم أثقالَهُمْ، فيَردُون يَوْمَ القيامةِ خِفَافاً(٣) ". وسئل صلى الله عليه وسلم : أيّ المجاهدين أعظمُ أجراً ؟ قال :" أكثرهم لله تبارك وتعالى ذِكْراً. قيل : فأي الصالحين أعظم أجراً ؟ قال : أكثرهم لله تبارك وتعالى ذِكْراً. ثم ذَكَرَ الصلاة والزكاة والحج والصدقة، كل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكراً ". فقال أبو بكر لعمرَ : يا أبا حفصٍ ؛ ذهب الذاكرون بكل خيرٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أجل(٤) " رواه أحمد والطبراني. الذكر عمدة لكل سـالك تنورت بنوره المسالك هو المطيـة التي لا تنتكب ما بعدها في سرعة الخُطا نُجُب به القلوب تطمئن في اليقين ما بعده على الوصالِ من معين به بلوغ السـالكيـن للمُنـى به بقاء المرء مِن بعد الفنا به إليك كل صعب يسـهل به البعيد عن قريب يحصل فهـو أقـوى سـبب لديـكَ وكلُّهُ إليك، لا عليك فكل طاعة أتى الفتى بهـا هو أساسها، كذاك سَقفها ووحدَه يفـوق كل طـاعـه كما أتى عن صاحب الشفاعهْ كَفى بفضله لدا البيـان ذهابه بالسهو والنسيان إذا ذكرتَ مَن له الغنى العظيم لديك يصغرُ الفقير يا نديم عليه دُمْ حتى إذا تجوهـرا بسره الفؤاد كلّ ما ترى ترى به المذكور دون سـتر وقد علا الإدراك درك الفكر به الحبيب في الورى تجلّى به السِّوى عن الحِجا تولى به تمكن المريد في الفنا حتى يصيرَ قائلاً أنا أنا به رجوعـه إلـى العبـاده به التصرُّف الذي في العادهْ تالله لو جئتُ بكـل قـول ما جئتكم بما لَهُ من فضـل
وقوله تعالى : هو الذي يُصلي عليكم... الآية. قال الورتجبي : صلوات الله : اختياره العبدَ في الأزل لمعرفته ومحبته، فإذا خصَّه بذلك جعل زلاته مغفورة، وجعل خواص ملائكته مستغفرين له، لئلا يحتاج إلى الاستغفار بنفسه عن اشتغاله بالله ومحبته، وبتلك الصلاة يُخرجهم من ظلمات الطبع إلى نور المشاهدة، وهذا متولد من اصطفائيته الأزلية ورحمته الكافية القدسية. ألا ترى إلى قوله : وكان بالمؤمنين رحيماً أي : قبل وجودهم، حيث أوجدهم، وهداهم إلى نفسه، بلا سبب ولا علة. ثم قال عن ابن عطاء : أعظم عطية للمؤمن في الجنة : سلام الله عليهم من غير واسطة. هـ.
وقوله تعالى : تحيتهم يوم يلقونه سلام قال القشيري : التحيةُ إذا قُرِنَتْ بالرؤية، واللقاءُ إذا قُرن بالتحية، لا يكون إلا بمعنى رؤية البصر، والتحية : خطاب يُفاتح بها الملوك، أخبر عن عُلُوِّ شأنهم، فهذا السلام يدلّ على علو رتبتهم. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي