٢- إن جزاء هؤلاء المنافقين إن أصروا على نفاقهم تسليط أهل الحق والإيمان عليهم، لاستئصالهم بالقتل، وطردهم من البلاد، فلا يساكنون النبي صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين في المدينة إلا مدة يسيرة حتى يهلكوا، وطردهم من رحمة الله.
٣- إن هذا العقاب هو ما سنه الله عز وجل فيمن أرجف بالأنبياء، وأظهر نفاقه أن يؤخذ ويقتل، ولا تبديل ولا تغيير لسنة الله وحكمه، فلا يغيره هو سبحانه، ولا يستطيع أحد تغييره.
٤- لكن يجوز تأخير تطبيق هذا العقاب، فليس هو على الفور، قال القرطبي: وفي الآية دليل على جواز ترك إنفاذ الوعيد، والدليل على ذلك بقاء المنافقين معه- صلّى الله عليه وسلّم- حتى مات. والمعروف من أهل الفضل إتمام وعدهم وتأخير وعيدهم «١».
وقد تأخر بالفعل عقاب المنافقين إلى أواخر عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، فإنه لما نزلت سورة «براءة» جمعوا،
فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يا فلان قم فاخرج، فإنك منافق، ويا فلان قم»
فقام إخوانهم من المسلمين، وتولوا إخراجهم من المسجد.
توعد الكفار بقرب الساعة وبيان نوع جزائهم
[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٦٣ الى ٦٨]
يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (٦٣) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (٦٦) وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧)
رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (٦٨)
البلاغة:
يَقُولُونَ: يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا تحسر وتفجع من طريق التمني.
سَعِيراً نَصِيراً كَبِيراً فيها ما يسمى بمراعاة الفواصل، لما فيها من وقع حسن.
المفردات اللغوية:
يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ أي يسألك أهل مكة المشركون عن وقت يوم القيامة وحصوله استهزاء، أو تعنتا، أو امتحانا قُلْ: إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ أي لم يطلع عليه ملكا ولا نبيا وَما يُدْرِيكَ، لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً أي وما يعلمك يا محمد؟ أي أنت لا تعلمها، فكيف بغيرك من الناس؟ وربما توجد الساعة في زمن قريب. وفيه تهديد للمستعجلين وإسكات للمتعنتين.
لَعَنَ الْكافِرِينَ أبعدهم وطردهم عن رحمته وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً نارا شديدة الاتقاد والاستعار يدخلونها خالِدِينَ مقدرا خلودهم لا يَجِدُونَ وَلِيًّا يواليهم ويحفظهم عنها وَلا نَصِيراً ينصرهم ويدفع العذاب عنهم يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ تصرّف من جهة إلى جهة أخرى، كاللحم يشوى بالنار. يا لَيْتَنا يا: للتنبيه وَقالُوا أي الأتباع منهم سادَتَنا أي ملوكنا وقادتنا الذين لقنوهم الكفر، وقرئ «ساداتنا» جمع الجمع، للدلالة على الكثرة وَكُبَراءَنا علماءنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا أي أضلونا طريق الهدى بما زينوا لنا من الكفر بالله ورسوله ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ مثلي ما أوتينا من العذاب لأنهم ضلوا وأضلوا وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً أي عذبهم وأبعدهم بلعن هو أشد اللعن وأعظمه، وفوله كَبِيراً أي عدده، أي عظيما.
المناسبة:
بعد بيان حال الفئات الثلاث في الدنيا (المشركين الذين يؤذون الله ورسوله، والمجاهرين الذين يؤذون المؤمنين، والمنافقين الذين يظهرون الحق ويضمرون الباطل) وأنهم يلعنون ويهانون ويقتلون، ذكر حالهم في الآخرة، فتوعدهم بقرب يوم القيامة، وبين نوع عذابهم فيه.
التفسير والبيان:
يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ، قُلْ: إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ أي يتساءل الناس بكثرة عن وقت قيام القيامة، فالمشركون يسألون عنها تهكما واستهزاء، والمنافقون يسألون عنها تعنتا، واليهود يسألون عنها امتحانا واختبارا، فيجيبهم النبي صلّى الله عليه وسلّم بتعليم الله له: إن علمها محصور بالله تعالى، لم يطلع عليها ملكا ولا نبيا مرسلا، فهو وحده الذي يعلم وقت حدوثها.
وأكد نفي علمها عن أحد غيره فقال:
وَما يُدْرِيكَ، لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً أي وما يعلمك بها، فإنها من المغيبات المختصة بالله تعالى، وربما توجد في وقت قريب، كما قال تعالى:
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر ٥٤/ ١] وقال عز وجل: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل ١٦/ ١]
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه البخاري: «بعثت والساعة كهاتين» وأشار إلى السبابة والوسطى.
وفي هذا تهديد للمستعجلين، وتوبيخ للمتعنتين، كما تقدم. وكلمة قَرِيبٌ فعيل يستوي فيه المذكر والمؤنث، كما قال تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف ٧/ ٥٦] لذا لم يقل: لعل الساعة تكون قريبة.
ثم ذكر الله تعالى نوع جزاء الكفار الذي ينتظرهم يوم القيامة، فقال:
إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ، وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً أي إن الله تعالى طرد الكافرين وأبعدهم عن رحمته، وهيأ لهم في الآخرة نارا شديدة الاستعار والاتقاد.
خالِدِينَ فِيها أَبَداً، لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً أي إنهم في ذلك العذاب في نار جهنم مخلدون ماكثون فيه على الدوام، ولا أمل لهم في النجاة منه، فلا يجدون
من يواليهم ويكون لهم مغيثا ومعينا ينقذهم مما هم فيه، ولا من ينصرهم ويخلصهم منه. والمقصود أنه لا شفيع لهم يدفع عنهم العذاب.
ثم ذكر وصف حال العذاب فقال:
يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ: يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا أي إنهم يسحبون في النار على وجوههم، وتلوى وجوههم على جهنم، ويتقلبون فيها من جهة إلى أخرى كاللحم يشوى في النار، وحينئذ يقولون ويتمنون: يا ليتنا لو كنا في الدار الدنيا ممن أطاعوا الله وأطاعوا الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وآمنوا بما جاء به، لينجوا من العذاب كما نجا المؤمنون، كما قال تعالى في آية أخرى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ: يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [الفرقان ٢٥/ ٢٧] وقال أيضا مخبرا عنهم: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر ١٥/ ٢].
ثم اعتذروا بالتقليد، فقال الله تعالى واصفا ذلك:
وَقالُوا: رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا، فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا أي وقال الكافرون حينئذ وهم في عذاب جهنم: يا ربنا إنا أطعنا في الشرك والكفر رؤساءنا وقادتنا وعلماءنا، وخالفنا الرسل، واعتقدنا أنهم محقون فيما يقولون، فأخطؤوا بنا سواء الطريق، وأضلونا عن طريق الهدى بما زينوا لنا من الكفر بالله ورسوله، وعدم الإقرار بالوحدانية، وإخلاص الطاعة لله تعالى.
ثم صوّر تعالى ما يغلي في نفوسهم من الحقد الذي أدى بهم إلى طلب التشفي من القادة والأمراء والأشراف فقال:
رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً أي يا ربنا عذّبهم مثل عذابنا مرتين: عذاب الكفر، وعذاب الإضلال والإغواء إيانا، وأبعدهم عن
رحمتك بعدا عظيما كثيرا شديد الموقع، وهذا بمعنى
الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو أن أبا بكر قال: يا رسول الله، علّمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: «قل: اللهم، إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم»
يروى «كبيرا» و «كثيرا» وهما بمعنى واحد، واستحب بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه، قال ابن كثير: وفي ذلك نظر، بل الأولى أن يقول هذا تارة، وهذا تارة، كما أن القارئ مخير بين القراءتين، أيتهما قرأ أحسن، وليس له الجمع بينهما «١».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١- لما توعد الله المؤذين لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالعذاب، سألوا عن الساعة، استبعادا وتكذيبا، موهمين أنها لا تكون، فأجابهم الله بأن علمها عند الله، وليس في إخفائها عن رسوله صلّى الله عليه وسلّم ما يبطل نبوته، فليس من شرط النبي أن يعلم الغيب بغير تعليم من الله عز وجل.
٢- إن وقت حصول الساعة (القيامة) في زمان قريب، وقد أخفي وقت الساعة ليكون العبد مستعدا لها. وهذا إشارة إلى التخويف.
٣- إن الله عاقب الكافرين بالطرد والإبعاد من رحمته، وبإعداد نار جهنم المستعرة الشديدة الاتقاد، وهم فيها خالدون ماكثون على الدوام، ولا شفيع لهم ينجيهم من عذاب الله والخلود فيه، ويتقلبون في السعير ذات اليمين وذات الشمال كما يشوى اللحم في النار. وهذا يدل على أنهم ملعونون في الدنيا، وملعونون عند الله، وأن العذاب دائم مستمر لا أمل في الخروج منه.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي