ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰ

ولمَّا ذكر ما منّ به على داود وسليمان، وذكر وبال مَن لم يشكر النعم، ذكر ما منّ به على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من عموم الرسالة والدعوة، فقال :
وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ .
قلت :" كافة " : حال من " الناس "، على قول الفارسي وابن جني وابن كيسان، واختاره ابن مالك. وقال الأكثر : إنه حال من الكاف، والتاء للمبالغة، وما قاله ابن مالك أحسن. انظر الأزهري.
يقول الحق جلّ جلاله : وما أرسلناك إلا كافةً للناس أي : جميعاً، إنسهم وجِنّهم، عَربيهم وعجميهم، أحمرهم وأسودهم. وقدّم الحال للاهتمام. قال صلى الله عليه وسلم :" أُعطيتُ خمساً لم يُعطهنّ أحدٌ قبلي : بُعثتُ إلى الأحمر والأسود، وجُعلتْ لي الأرضُ مسجداً وطهوراً، وأُحلّت لي الغنائمُ، ولم تُحل لأحدٍ قبلي، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ مسيرة شهر، وأُعطيتُ الشفاعة، فادخرتها لأمتي يوم القيامة، وهي إن شاء الله نائلة مَن لا يشرك بالله شيئاً١ ".
أو : وما أرسلناك إلا رسالة عامة لهم، محيطة بهم ؛ لأنها إذا عمتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد. وقال الزجاج : معنى الكافة في اللغة : الإحاطة، والمعنى : أرسلناك جامعاً للناس في الإنذار والإبلاغ، على أنه حال من الكاف، والتاء للمبالغة، كالراوية والعلاّمة. حال كونك بشيراً بالفضل العظيم لمن أقر، ونذيراً بالعذاب لمن أصرّ، ولكنَّ أكثرَ الناس أي : الكفرة، لا يعلمون ذلك، فيحملهم جهلهم على مخالفتك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الداعون إلى الله على فرقتين : فرقة تدعو إلى معرفة أحكام الله، وهم العلماء، وفرقة تدعو إلى معرفة ذات الله بالعيان، وهم الأولياء العارفون بالله، فالأولون دعوتُهم خاصة بمَن في مذهبهم، والآخرون دعوتهم عامة ؛ إذ معرفة الله تعالى الذوقية لم يقع فيها اختلاف مذاهب، فأهل المشرق والمغرب كلهم متفقون عليها، فشيخ واحد يربي جميع أهل المذاهب، إن خضعوا له، وفي ذلك يقول صاحب المباحث :

مذاهبُ الناس على اختلاف ومذهب القوم على ائتلاف

وقال الشاعر :
عبارتنا شتى وحُسنُك واحد وكلٌّ إلى ذاك الجَمَال يُشير
ويقول مَن استبعد الفتح : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ؟ قل : لكم ميعاد يوم عيّنه للفتح، لا يتقدّم ولا يتأخر. فالأدب : الخدمة وعدم الاستعجال.

١ أخرجه البخاري في التيمم حديث ٣٣٥، ومسلم في المساجد حديث ٣..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير