١٠٢٩- فيه من الأسئلة : ما وجه حصره عليه السلام في النذارة، وهو يقتضي سلب جميع الصفات عنه، ومنه من البشارة وغير ذلك من صفاته الكثيرة كما تقدم بيانه ؟ وما معنى قوله : بين يدي ، وما قال " حلف " ولا غير ذلك من العبارات ؟ وما المستثنى والمستثنى منه ؟
والجواب : أما حصره عليه السلام في النذارة فقد تقدم الجواب عنه مرارا١. وأما قوله : بين يدي عذاب ، فهذا التخصيص بهذا الموضع، وهو مبني على قاعدة، وهي أن الداخل إلى الوجود كالداخل إلى سكة من سكك الأرض فالداخل قبله يكون بين يديه، والداخل بعده يكون وراءه. فلما كانت المستقبلات كلها تدخل بعد دخولها جعلت وراء، والماضيات كلها دخلت قبلنا، فهي بين أيدينا فصارت هذه قاعدة مجازية، وهي من مجاز الاستعارة والتشبيه، فصار كل ما وجد قبل الشيء أمامه وما يوجد بعده خلفه، وعليه نصوص القرآن، قال الله تعالى في القرآن الكريم : ... ومصدقا لما بين يدي من التوراة ٢ وهما قبله. وقوله تعالى : ويذرون وراءهم يوما ثقيلا ٣ ويوم القيامة في المستقبل. وقوله تعالى : وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ٤ فمعناه أنهم ذاهبون إلى حومته، فلقاؤه مستقبل فهو على القاعدة.
كذلك هاهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نذير لعذاب مستقبل فهو بين يدي العذاب ؛ لأن السابق أبدا بين يدي اللاحق كما تقدم.
وأما المستثنى والمستثنى منه في المعنى أحوال وصفات، ومعناه : " لا صفة له صلى الله عليه السلام إلا النذارة باعتبار من لا يؤمن، كما تقدم تقريره والواجب عنه.
وأما باعتبار اللفظ فالمستثنى منه أخبار، لأن حرف " إن " هاهنا حرف نفي، وتقدير الكلام : " ما هو إلا نذير " فنفي عن هذا المبتدإ كل خبر إلا هذا الخبر باعتبار من لا يؤمن كما تقدم تقريره والجواب عنه. ( الاستغناء : ٢٣٧-٢٣٨ )
٢ - سورة آل عمران : ٥٠..
٣ - سورة الإنسان : ٢٨..
٤ - سورة الكهف : ٧٩..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي