ﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼ

في بداية هذا الربع لقن كتاب الله لرسوله الأعظم ما يواجه به الشاكين والمعاندين، لإفحامهم وإقناعهم، وللقضاء على شكهم وعنادهم، داعيا إياهم إلى الالتقاء معه على كلمة سواء، وهذه الكلمة الواحدة الجامعة المانعة هي أن ينهضوا وينتصبوا للبحث عن ( الحق المطلق ) في أمر الرسول وأمر الرسالة، متجردين من كل هوى وعصبية وفكر مسبق، مستخدمين العقل والمنطق، وملكة التفكير العميق، في دراسة هذا الأمر دراسة موضوعية، على أن تتم هذه الدراسة بطريقة ( فردية ) متأنية، حتى لا يتأثر أحدهم بالآخر، وبطريقة ( ثنائية ) وجماعية، حتى يناظر كل واحد الآخر، ويقارن النتيجة التي وصل إليها بما وصل إليه قرينه من رأي، وبهذا الأسلوب المزدوج، من تمحيص أمر الرسول والرسالة تمحيصا موضوعيا، دون عصبية ولا هوى، يثبت الحق ويزهق الباطل، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في إيجاز وإعجاز : قل إنما أعظكم بواحدة ، أي : بكلمة واحدة هي أجمع جوامع الكلم، أن تقوموا لله أي : أن تقوموا للبحث عن الحقيقة وطلب الحق بكامل التجرد والإخلاص لوجه الله، ( مثنى )، أي : اثنين، عندما يكون الواحد منكم مع غيره، ( وفرادى )، أي : واحد واحدا عندما يكون الواحد منكم منفردا بنفسه، ( ثم تتفكروا }، أي : منفردين ومجتمعين، وتستخدموا فكركم على فطرته وسجيته، وتقلبوا وجوه النظر في أمر الرسول وأمر الرسالة، قال جار الله الزمخشري :( أما الاثنان فيتفكران، ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه، وينظران فيه متصادقين متناصفين، لا يميل بهما إتباع الهوى، ولا ينبض لهما عرق عصبية، حتى يهجم بهما الفكر الصالح والنظر الصحيح، على جادة الحق وسننه، وكذلك الفرد، يفكر في نفسه بعد ونصفة، من غير( أن يكابرها، ويعرض فكره على عقله وذهنه، وما استقر عنده من عادات العقلاء ومجاري أحوالهم ) ونقل القرطبي عن بعض المفسرين تعليقا على قوله تعالى هنا : مثنى وفرادى :( أن العقل حجة الله على العباد، فأوفرهم عقلا أوفرهم حظا من الله، فإذا كانوا فرادى كانت فكرة واحدة، وإذا كانوا مثنى تقابل الذهنان، فتراءى من العلم لهما ما أضعف على الانفراد )، أي : ما زاد على الانفراد )، أضعافا مضاعفة.
ومتى أنعموا النظر على هذا الوجه المعتبر، رفضوا مزاعم المعاندين والمكذبين، وأدركوا عن علم ويقين، أن محمدا عليه الصلاة والسلام رسول الله حقا وصدقا، وأنه خاتم الرسل المبعوث إلى الخلق أجمعين، وبذلك يبطل تلقائيا قول من زعم أنه ( ساحر ) إذ لا أثر في أفعاله وأقواله لأي نوع من أنواع السحر، ويبطل قول من زعم أنه ( شاعر ) إذ لا تشابه بين آيات الذكر الحكيم وبين أي نوع من أنواع الشعر، ويبطل قول من زعم أنه ( مجنون ) إذ لا يبدو في تصرفاته وأحواله أي أثر من آثار الجنون. وكيف ينسب الجنون إلى من آتاه الله الكتاب والحكمة، وأكرمه بمزية التحصين والعصمة : ما بصاحبكم من جنة، إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد( ٤٦ ) .

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير