ﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼ

هذا الشوط الأخير في السورة يبدأ بالحديث عن المشركين، ومقولاتهم عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وعن القرآن الذي جاء به ؛ ويذكرهم بما وقع لأمثالهم، ويريهم مصرع الغابرين الذين أخذهم النكير في الدنيا، وهم كانوا أقوى منهم وأعلم وأغنى..
ويعقب هذا عدة إيقاعات عنيفة كأنما هي مطارق متوالية. يدعوهم في أول إيقاع منها إلى أن يقوموا لله متجردين ثم يتفكروا غير متأثرين بالحواجز التي تمنعهم من الهدى ومن النظر الصحيح. وفي الإيقاع الثاني يدعوهم إلى التفكير في حقيقة البواعث التي تجعل الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] يلاحقهم بالدعوة، وليس له من وراء ذلك نفع، ولا هو يطلب على ذلك أجراً، فما لهم يتشككون في دعوته ويعرضون ؟ ثم تتوالى الإيقاعات : قل. قل. قل. وكل منها يهز القلب هزاً ولا يتماسك له قلب به بقية من حياة وشعور !
ويختم الشوط وتختم معه السورة بمشهد من مشاهد القيامة حافل بالحركة العنيفة، يناسب إيقاعه تلك الإيقاعات السريعة العنيفة.
وهنا يدعوهم دعوة خالصة إلى منهج البحث عن الحق، ومعرفة الافتراء من الصدق، وتقدير الواقع الذي يواجهونه من غير زيف ولا دخل :
( قل : إنما أعظكم بواحدة.. أن تقوموا لله مثنى وفرادى، ثم تتفكروا. ما بصاحبكم من جنة. إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد )..
إنها دعوة إلى القيام لله. بعيداً عن الهوى. بعيداً عن المصلحة. بعيداً عن ملابسات الأرض. بعيداً عن الهواتف والدوافع التي تشتجر في القلب، فتبعد به عن الله. بعيداً عن التأثر بالتيارات السائدة في البيئة. والمؤثرات الشائعة في الجماعة.
دعوة إلى التعامل مع الواقع البسيط، لا مع القضايا والدعاوى الرائجة ؛ ولا مع العبارات المطاطة، التي تبعد القلب والعقل من مواجهة الحقيقة في بساطتها.
دعوة إلى منطق الفطرة الهادى ء الصافي، بعيداً عن الضجيج والخلط واللبس ؛ والرؤية المضطربة والغبش الذي يحجب صفاء الحقيقة.
وهي في الوقت ذاته منهج في البحث عن الحقيقة. منهج بسيط يعتمد على التجرد من الرواسب والغواشي والمؤثرات. وعلى مراقبة الله وتقواه.
وهي( واحدة ).. إن تحققت صح المنهج واستقام الطريق. القيام لله.. لا لغرض ولا لهوى ولا لمصلحة ولا لنتيجة.. التجرد.. الخلوص.. ثم التفكر والتدبر بلا مؤثر خارج عن الواقع الذي يواجهه القائمون لله المتجردون.
( أن تقوموا لله. مثنى وفرادى ).. مثنى ليراجع أحدهما الآخر، ويأخذ معه ويعطي في غير تأثر بعقلية الجماهير التي تتبع الانفعال الطارى ء، ولا تتلبث لتتبع الحجة في هدوء.. وفرادى مع النفس وجهاً لوجه في تمحيص هادى ء عميق.
( ثم تتفكروا. ما بصاحبكم من جنة ).. فما عرفتم عنه إلا العقل والتدبر والرزانة. وما يقول شيئاً يدعو إلى التظنن بعقله ورشده. إن هو إلا القول المحكم القوي المبين.
( إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد )..
لمسة تصور العذاب الشديد وشيكاً أن يقع، وقد سبقه النذير بخطوة. لينقذ من يستمع. كالهاتف المحذر من حريق في دار يوشك أن يلتهم من لا يفر من الحريق. وهو تصوير - فوق أنه صادق - بارع موح مثير..
قال الإمام أحمد : حدثنا أبو نعيم بشير ابن المهاجر، حدثني عبدالله بن بريرة عن أبيه - رضي الله عنه - قال : خرج علينا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يوماً، فنادى ثلاث مرات :" أيها الناس أتدرون ما مثلي ومثلكم ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم. قال - صلى الله عليه وعلى آله وسلم :" إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدواً يأتيهم. فبعثوا رجلاً يتراءى لهم، فبينما هو كذلك أبصر العدو، فأقبل لينذرهم، وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه. أيها الناس أتيتم. أيها الناس أتيتم. أيها الناس أتيتم "..
وروي بهذا الإسناد قال : قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" بعثت أنا والساعة جميعاً. إن كادت لتسبقني "..
ذلك هو الإيقاع الأول المؤثر الموحي. يتبعه الإيقاع الثاني. ( قل : ما سألتكم من أجر فهو لكم. إن أجري إلا على الله. وهو على كل شيء شهيد )..

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير