ولما أشار إلى بعد الإيمان منهم عند إرادتهم تناوله عند فوات أمره وعلوه عنهم عند طعنهم فيه في دار العمل، ترجم حالتيهم في
صفحة رقم 538
ذلك على وجه يعم ثمرات الإيمان من دخول الجنان ورضى الرحمن بقوله: وحيل معبراً بصيغة المجهول مشيراً إلى أن حصول الحيلولة بأسهل ما يكون ولأن المنكي لهم نفس الحيلولة لا كونها من شخص معين: بينهم وبين ما يشتهون أي يميلون إليه ميلاً عظيماً من تأثير طعنهم وقبول إيمانهم عند رؤية، البأس ومن حصول شيء من ثمراته لهم من حسن الثواب كما يرى الإنسان منهم - وهو في غمرات النار - مقعده في الجنة، الذي كان يكون له لو آمن ولا يقدر على الوصول إليه بوجه، وإن خيل إليه الوصول فقصده فمنع منه كان أنكى كما فعل أي بأيسر وجه بأشياعهم أي الذين كفروا مثلهم من قبل أي قبل زمانهم فإن حالهم كان كحالهم في الكفران والإيمان، والسعادة والخسران، ولم يختل أمرنا في أمة من الأمم، بل كان كلما كذبت أمة رسولها أخذناها، فإن أذقناهم بأسنا أذعنوا وخضعوا، فلم نقبل منهم ذلك، ولا نفعهم شيئاً لا بالكف عن إهلاكهم ولا بإدراكهم لشيء من الخير بعد إهلاكهم إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد [ق: ٣٧]. ثم علل عدم الوصول إلى قصد في كل من الحالتين بقوله مؤكداً لإنكارهم أن يكون عندهم شيء من شك في شيء من أمرهم: إنهم كانوا أي
صفحة رقم 539
في دار القبول كوناً هو كالجبلة لهم في شك أي في جميع ما يخبرهم به رسلنا عنا من الجزاء أو غير ذلك مريب * أي موقع في الريبة، فهو بليغ في بابه كما يقال: عجب عجيب، أو هو واقع في الريب كما يقال: شعر شاعر، أي - ذو شعر، فكيف يقبلون أو ينفذ طعنهم أو تحصل لهم تمرة طيبة وهو على غير بصيرة في شيء من أمرهم بل كانوا يشكون في قدرتنا وعظمتنا، فاللائق بالحكمة أن نبين لهم العظمة بالعذاب لهم والثواب لأحبابنا الذين عادوهم فينا فتبين أنهم يؤمنون به عند ظهور الحمد أتم الظهور إما في الآخرة أو في مقدماتها، فظهر سر الإفصاح بقوله «وله الحمد في الآخرة» وأنه حال سبحانه بينهم وبين ما يريدون فتبين أنه مالك كل شيء فصح أن له الحمد في الأولى وفي كل حالة - وقد تعانق آخرها مع أولها، والتحم مقطعها بموصلها - والله سبحانه وتعالى هو المستعان إليه والمرجع والمآب.
صفحة رقم 540
هي ختام السور المفتتحة باسم الحمد، التي تقدم عن الشيخ سعد الدين التفتازاني أنه فصلت فيها النعم الأربع التي هي أمهات النعم المجموعة في الفاتحة، وهي الإيجاد الأول، ثم الإبقاء الأول؛ ثم الإيجاد الثاني المشار إليه بسورة سبأ، ثم الإبقاء الثاني الذي هو أنهاها وأحكمها، المفصل أمره فيها في فريقي السعادة المفتتحة بالابتداء الدال عليه بأنهى القدرة وأحكمها، المفصل أمره فيها في فريقي السعادة والشقاوة تفصيلاً شافياً على أنه استوفى في هذه السورة النعم الأربع كما يأتي بيانه في محالّه، فمقصودها إثبات القدرة الكاملة لله تعالى اللازم منها تمام القدرة على البعث الذي عنه يكون أتم الإبقاءين الإبقاء بالفعل دائماً أبداً بلا انقطاع ولا زوال ولا اندفاع في دار المقامة التي أذهب عنها الحزن والنصب واللغوب، ودار الشقاوة الجامعة لجميع الأنكاد والهموم،
صفحة رقم 1
ولاسم السورة أتم مناسبة لمقصودها لأنه لا شيء يعدل ما في الجنة من تجدد الخلق فإنه لا يؤكل منها شيء إلا عاد كما كان في الحال، ولا يراد شيء إلا وجد في أسرع وقت، فهي دار الإبداع والاختراع بالحقيقة وكذا النار)) كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها () [النساء: ٥٦] ؛ وكذا تسميتها بالملائكة فإنهم يبدعون خلقاً جديداً كل واحد منهم على صورته التي أراد الله المطابقة لقدرته سبحانه وعز شأنه، وهم من الكفرة على وجه لا يحاط به)) وما يعلم جنود ربك إلا هو () [المدثر: ٣١] ) بسم الله (الذي أحاطدائرة قدرته بالممكنات) الرحمن (الذي أتم بالبعث عموم الرحمة) الرحيم (الذي شرف أهل الكرامة بدوام الإقامة في دار المقامة.
صفحة رقم 2نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
أبو الحسن، برهان الدين إبراهيم بن عمر بن حسن الرُّبَاط بن علي بن أبي بكر البقاعي