ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷ

(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) فليطلبها منه لا من غيره قال الفراء: معناه من كان يريد أن يعلم لمن العزة فإنها لله جميعاً، وقال قتادة: من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله، فجعل معنى لله العزة الدعاء إلى طاعة من له العزة كما يقال: من أراد المال فالمال لفلان، أي فليطلبه من عنده، وقال الزجاج: تقديره من كان يريد بعبادة الله العزة فالعزة له سبحانه، فإن الله عز وجل يعزه في الدنيا والآخرة.
وقيل: المراد به المشركون فإنهم كانوا يتعززون بعبادة الأصنام كقوله: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)، وقيل: المراد الذين كانوا

صفحة رقم 226

يتعززون بهم من الذين آمنوا بألسنتهم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة؟ والظاهر في معنى الآية: أن من كان يريد العزة ويطلبها فليطلبها من الله عز وجل فلله العزة جميعاً ليس لغيره منها شيء، فتشمل الآية كل من طلب العزة، ويكون المقصود بها التنبيه لذوي الأقدار والهمم من أين تنال العزة وتستحق، ومن أي جهة تطلب فتكون الألف واللام للاستغراق، وهو المفهوم من آيات هذه السورة.
(إليه) تعالى لا إلى غيره (يصعد الكلم الطيب) الصعود هو الحركة إلى فوق وهو العروج أيضاًً وموضع الثواب فوق، وموضع العذاب أسفل، ومعنى صعوده إليه قبوله له، أو صعود الكتبة من الملائكة بما يكتبونه من الصحف، وخص الكلم الطيب بالذكر لبناء الثواب عليه، وهو يتناول كل كلام يتصف بكونه طيباً من ذكر الله وأمر بمعروف ونهي عن منكر وتلاوة وغير ذلك، فلا وجه لتخصيصه بكلمة التوحيد أو بالتحميد والتمجيد، وقيل: المراد بصعوده صعوده إلى سماء الدنيا، وقيل: يصعد إلى سمائه والمحل الذي لا يجري فيه لأحد غيره حكم، وفيه دليل على علوّه تعالى فوق الخلق وكونه بائناً عنه بذاته الكريمة، كما تدل له الآيات الأخرى الصريحة والأحاديث المستفيضة الصحيحة، وقيل: المراد بصعوده علم الله به والأولى ما ذكرناه آنفاً.
(والعمل الصالح يرفعه) أي يرفع الكلم الطيب كما قال الحسن وشهر ابن حوشب وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وأبو العالية والضحاك، ووجهه: أنه لا يقبل الكلم الطيب إلا مع العمل الصالح. وقيل: إن فاعل يرفعه هو الكلم الطيب، ومفعوله العمل الصالح، ووجهه أن العمل الصالح لا يقبل إلا مع التوحيد والإيمان، وقيل: إن فاعل يرفعه ضمير يعود إلى الله عز وجل، والمعنى أن الله يرفع العمل الصالح على الكلم الطيب، لأن العمل

صفحة رقم 227

يحقق الكلام، وقيل: العمل الصالح يرفع صاحبه وهو الذي أراد العزة، وقال قتادة: المعنى أن الله يرفع العمل الصالح لصاحبه أي يقبله فيكون قوله والعمل الصالح مبتدأ وخبره يرفع، وكذا على قول من قال يرفع صاحبه، قرأ الجمهور يصعد من صعد الثلاثي، والكلم بالرفع على الفاعلية، وقرأ علي وابن مسعود يصعد بضم حرف المضارعة من أصعد، والكلم بالنصب على المفعولية، وقرأ الضحاك على البناء للمفعول وقرأ الجمهور الكلم وقرأ أبو عبد الرحمن الكلام وقرأوا العمل بالرفع على العطف أو على الابتداء وقرأ ابن أبي عبلة وعيسى بن عمر بالنصب على الاشتغال.
وعن ابن مسعود في الآية قال: " إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله سبحانه إن العبد المسلم إذا قال: سبحان الله وبحمده والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك الله قبض عليهن ملك فضمهن تحت جناحه، ثم يصعد بهن إلى السماء فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفر لقائلهن حتى يحيي بهن وجه الرحمن، ثم قرأ: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، قال: أداء الفرائض فمن ذكر الله في أداء فرائضه حمل عمله ذكر الله فصعد به إلى الله، ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله، وكان عمله أولى به ". أخرجه الطبراني والبيهقي والحاكم وصححه وغيرهم.
(والذين يمكرون السيئات) ليس مفعولاً به لأن مكر لازم فانتصابه على أنه صفة لمصدر محذوف أي يمكرون المكرات السيئات ويجوز أن يضمن يمكرون معنى يكسبون فيكون السيئات مفعولاً به. قال مجاهد وقتادة: هم أهل الربا.
وقال أبو العالية: هم الذين مكروا بالنبي - ﷺ - لما اجتمعوا في دار الندوة. وقال الكلبي: هم الذين يعملون السيئات في الدنيا. وقال مقاتل: هم المشركون (لهم عذاب شديد) أي بالغ الغاية في الشدة.

صفحة رقم 228

(ومكر أولئك هو يبور) أي يهلك ويفسد ويبطل ومنه: وكنتم قوماً بوراً، وقد أبارهم الله إبارة بسبب مكرانهم، حيث أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب، فجمع عليهم مكراتهم الثلاث التي اكتفوا في حقه بواحدة منها، والمكر في الأصل الخديعة والاحتيال والإشارة بقوله " أولئك " إلى الذين مكروا السيئات على اختلاف الأقوال في تفسير مكرهم وجملة هو يبور خبر مكر أولئك ووضع اسم الإشارة موضع ضميرهم للإيذان بكمال تميزهم بما هم عليه من الشر والفساد عن سائر المفسدين. واشتهارهم بذلك، ثم ذكر سبحانه دليلاً آخر على صحة البعث والنشور فقال:

صفحة رقم 229

فتح البيان في مقاصد القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي

راجعه

عبد الله بن إبراهيم الأنصاري

الناشر المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 15
التصنيف التفسير
اللغة العربية