ﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ ﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜ ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬ ﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷ ﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙﰚﰛﰜﰝ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎ ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

اللغَة: فَاطِرِ الفاطر: الخالق، وأصل الفطر الشَّق يقال: فاطره فانفطر أي انشق ومنه السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ [المزمل: ١٨] وفطر اللهُ الخلق: خلقهم وبرأهم. تُؤْفَكُونَ تُصرفون من الإِفك بمعنى الكذب سمى إِفكاً لأنه مصروف عن الحق والصواب. حَسَرَاتٍ جمع حسرة وهي الغم الذي يلحق النفس على فوات الأمر، وفي المختار: الحسرةُ أشدُّ التلهف على الشيء الفاقد. النشور مصدر نشر الميت إذا حيي، قال الأعشى:

صفحة رقم 517

حتى يقول الناس ممَّا رأوا يا عجباً للميّت الناشر
يَبُورُ يهلك يقال: بار يبور أي هلك وبطل، والبوار: الهلاك. فُرَاتٌ حلو شديد الحلاوة.
أُجَاجٌ شديد الملوحة قال في القاموس: أجَّ الماء أُجوجاً إذا اشتدت ملحوته. قِطْمِيرٍ القمطير: القشرة الرقيقة البيضاء التي بين التمرة والنواة.
التفسِير: الحمد للَّهِ فَاطِرِ السماوات والأرض أي الثناء الكامل، والذكر الحسن، مع التعظيم والتبجيل لله جلَّ وعلا، خالق السموات والأرض ومنشئها ومخترعها من غير مثل سبق، قال البيضاوي: فَاطِرِ السماوات والأرض أي مبدعهما وموجدهما على غير مثال جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً أي جاعل الملائكة وسائط بين الله وأنبيائه لتبليغهم أوامر الله، قال ابن الجوزي: يرسلهم إلى الأنبياء وإلى ما شاء من الأمور أولي أَجْنِحَةٍ مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ أي أصحاب أجنحة، قال قتادة: بعضهم له جناحان وبعضهم له ثلاثة، وبعضهم له أربعة، ينزلون بها من السماء إلى الأرض، ويعرجون بها إلى السماء يَزِيدُ فِي الخلق مَا يَشَآءُ اي يزيد في خلق الملائكة كيف يشاء، من ضخامة الأجسام، وتفاوت الأشكال، وتعدد الأجنحة، وقد رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جبريل ليلة الإِسراء وله ستمائة جناح، بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب وقال قتادة: يَزِيدُ فِي الخلق مَا يَشَآءُ الملائحةُ في العينين، والحسنُ في الأنف، والحلاوة في الفم إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي هو تعالى قادر على ما يريد، له الأمر والقوة والسلطان، لا يمتنع عليه فعل شيءٍ أراده، ولا يتأبى عليه خلق شيء أراده، وصف تعالى نفسه في هذه الآيات بصفتين جليلتين تحمل كل منهما صفة القدرة وكمال الإِنعام الأولى: أنه فاطر السموات الأرض أي خالقهما ومبدعهما من غير مثالٍ يحتذيه، ولا قانون ينتحية، وفي ذلك دلالة على كمال قدرته، وشمول نعمته، فهو الذي رفع السماء بغير عمد، وجعلها مستويةٌ من غير أَوَد، وزينها بالكواكب والنجوم، وهو الذي بسط الأرض، وأودعها الأرزاق والأقوات، وبثَّ فيها البحار والأنهار، وفجَّر فيها العيون والآبار، إلى غير ما هنالك من آثار قدرته العظيمة، وآثار صنعته البديعة، وعبَّر عن ذلك كله بقوله: فَاطِرِ السماوات والأرض، والثانية: اختيار الملائكة ليكونوا رسلاًَ بينه وبين أنبيائه، وقد أشار إلى طرفٍ من عظمته وكمال قدرته جل وعلا بأن خلق الملائكة بأشكال عجيبة، وصور غريبة، وأجنحة عديدة، فمنهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له ستمائة جناح، ما بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب، كما هو وصف جبريل عليه السلام، ومنهم من لا يعلم حقيقة خِلقته وضخامة صورته إلا الله جل وعلا، فقد روى الزهري أن جبريل قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يا محمد كيف رأيت

صفحة رقم 518

إسرافيل إنَّ له لاثني عشر ألف جناح، منها جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، وإن العرش لعلى كاهله» ولو كشف لنا الحجاب لرأينا العجب العجاب، فسبحان الله ما أعظم خلقه، وما أبدع صنعه ! ثم بيَّن تعالى نفاذ مشيئته، ونفوذ أمره في هذا العالم الذي فطره ومَن فيه، وأخضعه لإرادته وتصرفه فقال: مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا أيْ أيُّ شيء يمنحه الله لعباده ويتفضل به علهيم من خزائن رحمته، من نعمةٍ، وصحةٍ، وأمنٍ، وعلمٍ وحكمةٍ، ورزقٍ، وإرسال رسلٍ لداية الخلق، وغير ذلك من صنوف نعمائه التي لا يحيط بها عدٍّ، فلا يقدر أحدٌ على إمساكه وحرمان خلق الله منه، فهو الملك الوهاب الذي لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ أيْ وأيُّ شيء يمسكه ويحبسه عن خلقه من خيري الدنيا والآخةر، فلا أحد يقدر على منحه للعباد بعد أن أمسكه جلا علا وَهُوَ العزيز الحكيم أي هو تعالى الغالب على كل شيء، الحكيم في صنعه، الذي يفعل ما يريد على مقتضى الحكمة والمصلحة، قال المفسرون: والفتحُ والإِمساك عبارة عن العطاء والمنع، فهو الذي يضر وينفع، ويعطي ويمنع، وفي الحديث:
«أَحَقُّ مَا قَالَ العَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْجٌ: اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ منك الجَدّ» ثم ذكَّرهم تعالى بنعمه الجليلة عليهم فقال: ياأيها الناس اذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ أي اشكروا ركبم على نعمه التي لا تُعدُّ ولا تُحْصى التي أنعم بها عليكم، قال الزمخشري: ليس المراد بذكر النعمة ذكرها باللسان فقط، ولكن المراد حفظها من الكفران، وشكرها بمعرفة حقها، والاعتراف بها، وإِطاعة موليها، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: أذكرْ أياديَّ عندك هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله استفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا خالق غيره تعالى، لا ما تعبدون من الأصنام يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السمآء والأرض أي حال كونه تعالى هو المنعم على العباد بالرزق والعطاء، فهو الذي ينزل المطر من السماء، ويخرج النبات من الأرض، فكيف تشركون معه ما لا يخلق ولا يرزق من الأوثان والأصنام؟ ولهذا قال تعالى بعده: لاَ إله إِلاَّ هُوَ أي لا ربَّ ولا معبود إلا الله الواحد الأحد فأنى تُؤْفَكُونَ أي فكيف تُصرفون بعد هذا البيان، ووضوح البرهان، إلى عبادة الأوثان؟ والغرض: تذكير الناس بنعم الله، وإقامة الحجة على المشركين، قال ابن كثير: نبّه تعالى عباده وأرشدهم إلى الاستدلال على توحيده، بوجوب إفراد العبادة له، فكما أنه المستقل بالخلق والرزق، فكذلك يجب أن يُفرد بالعبادة، ولا يُشرك به غيره من الأصنام والأوثان وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ تسلية للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على تكذيب قومه له والمعنى: وإن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون فلا تحزن لتكذيبهم، فهذه سنة الله في الأنبياء من قبلك، فقد كُذّبوا واُوذوا حتى أتاهم نصرنا، فلك بهم أسوة، ولا بدَّ أن ينصرك الله عليهم وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور أي إلى الله تعالى وحده مرجع أمرك وأمرهم، وسيجازي كلاً بعمله، وفيه وعيد وتهديد للمكذبين.
ثم ذكَّرهم تعالى بذلك الموعد المحقَّق فقال: ياأيها الناس إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ أي إن وعده لكم بالبعث والجزاء حقٌّ ثابتٌ لا محالة

صفحة رقم 519

لا خُلف فيه فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا أي فلا تلهكم الحياة الدنيا بزخرفها ونعيمها عن الحياة الآخرة، قال ابن كثير: أي لا تتلهَّوا عن تلك الحياة الباقية، بهذه الزهرة الفانية وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بالله الغرور أي ولا يخدعنكم الشيطان المبالغ في الغرور فيطمعكم في عفو الله وكرمه، ويمنيكم بالمغفرة مع الإِصرار على المعاصي. ثم بيَّن تعالى عداوة الشيطان للإِنسان فقال: إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّاً أي إن الشيطان لكم أيها الناس عدوٌ لدود، وعداوته قديمة لا تكاد تزول فعادوه كما عاداكم ولا تطيعوه، وكونوا على حذرٍ منه، قال بعض العارفين: يا عجباً لمن عصى المحسن بعد معرفته بإحسانه، وأطاع اللعين بعد معرفته بعداوته إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السعير أي إنما غرضه أن يقذف بأتباعه في نار جهنم المستعرة التي تشوي الوجوه والجلود، لا غرض له إلا هذا، فهل يليق بالعاقل أن يستجيب لنداء الشيطان اللعين؟ قال الطبري: أي إنما يدعو شيعته ليكونوا من المخلدين في نار جهنم التي تتوقد على أهلها الذين كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ أي الذين جحدوا بالله ورسله لهم عذاب دائم شديد لا يُقادر قدره، ولا يوصف هولُه والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أي جمعوا بين الإِيمان والعمل الصالح لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ أي لهم عند ربهم مغفرةٌ لذنوبهم، وأجر كبير وهو الجننة، وإنما قرن الإِيمان بالعمل الصالح ليشير إلى أنهما لا يفترقان، فالإِيمان تصديقٌ، وقول، وعمل أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً الاستفهام للإِنكار وجوابه محذوف والتقدير: أفمن زيَّن له الشيطان عمله السيء حتى رآه حسناً واستحسن ما هو عليه من الكفر والضلال، كمن استقبحه واجتنبه واختار طريق الإِيمان؟ ودلَّ على هذا الحذف قوله تعالى: فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ أي الكلُّ بمشيئة الله، فهو تعالى الذي يصرف من يشاء عن طريق الهدى، ويهدي من يشاء بتوفيقه للعمل الصالح والإِيمان فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ أي فلا تغتمَّ يا محمد ولا تُهلك نفسك حسرةً على تركهم الإِيمان إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ أي هو جل وعلا العالم بما يصنع هؤلاء من القبائح ومجازيهم عليها، وفيه وعيد لم بالعقاب على سوء صنيعهم والله الذي أَرْسَلَ الرياح أي والله تعالى بقدرته هو الذي أرسل الرياح مبشرة بنزول المطر فَتُثِيرُ سَحَاباً أي فحركت السحاب وأهاجته، والتعبيرُ بالمضارع عن الماضي فَتُثِيرُ لاستحضار تلك الصورة البديعة، الدالة على كمال القدرة والحكمة فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيِّتٍ أي فسقنا السحاب الذي يحمل الغيث إلى بلدٍ مجدب قاحل فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا فيه حذفٌ تقديره فأنزلنا به الماء فأحيينا به الأرض بعد جدبها ويبسها كَذَلِكَ النشور أي كما أحيا الله الأرض الميتة بالماء، كذلك يحيي الموتى من قبورهم، روى الإِمام أحمد عن أبي رُزين العقيلي قال:
«قلت يا رسول الله: كَيْفَ يُحْيِي الله المَوْتَى؟ وَمَا آيةُ ذلكَ فِي خَلْقِهِ؟ فقال:» أَمّا مَرَرْتَ بِوَادِي أهْلِكَ مُمْحِلاً، ثُمَّ مَرَرْتَ بهِ يَهْتَزُّ خَضِراً؟ «قلت: نعم: يا رسول الله، قال:» فكذلك يُحْيِي الله المَوْتَى، وَتِلْكَ آيَتُهُ فِي خَلْقِهِ «قال ابن كثير: كثيراً ما يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد موتها، فإن الأرض تكون ميتة هامدة

صفحة رقم 520

لا نبات فيها، فإذا أرسل الله إليها السحاب تحمل الماء وأنزله عليا اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: ٥] كذلك الأجساد إذا أراد الله بعثها ونشورها، ثمَّ نبَّه تعالى عباده إلى السبيل الذي تُنال به العزة فقال: مَن كَانَ يُرِيدُ العزة فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً أي من كان يطلب العزة الكاملة، والسعادة الشاملة، فليطلبها من الله تعالى وحده، فإن العزة كلَّها لله جلَّ وعلا قال بعض العارفين: من أراد عزَّ الدارين فليطع العزيز إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب أي إليه جلا وعلا يرتفع كل كلام طيب من ذكر، ودعاءٍ، وتلاوة قرآن، وتسبيح وتمجيد ونحوه، قال الطبري: إلى الله يصعد ذكرُ العبد إِيَّاه وثناؤه عليه والعمل الصالح يَرْفَعُهُ أي والعمل الصالح يتقبله الله تعالى ويثيب صاحبه عليه، قال قتادة: لا يقبل الله قولاً إلاَّ بعمل، من قال وأحسن العمل قبل الله منه، نقله الطبري والذين يَمْكُرُونَ السيئات لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ هذا بيانٌ للكلم الخبيث، بعد بيان حال الكلام الطيب أي والذين يحتالون بالمكر والخديعة لإطفاء نور الله، والكيد للإِسلام والمسلمين، لهم في الآخرة عذاب شديد في نار جهنم وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ أي ومكر أولئك المجرمين هالكٌ وباطل، لأنه ما أسرَّ أحد سوءاً ودبَّره إِلا أبداه الله وأظهره
وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ [فاطر: ٤٣] قال المفسرون: والإِشارة هنا إلى مكر قريش برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين اجتمعوا في دار الندوة وأرادوا أن يقتلوه، أو يحبسوه، أو يخرجوه كما حكى القرآن الكريم وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [الأَنفال: ٣٠] ثم ذكَّرهم تعالى بدلائل التوحيد والبعث، بعد أن ذكَّرهم بآيات قدرته وعزته فقال: والله خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ أي خلق أصلكم وهو آدم من تراب ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ أي ثم خلق ذريته من ماءٍ مهين وهو المنيُّ الذي يُصبُّ في الرحم ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً أي خلقكم ذكوراً وإناثاً، وزوَّد بعضكم من بعضٍ ليتم البقاء في الدنيا إلى انقضائها قال الطبري: أي زوَّج منهم الأنثى من الذكر وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ أي وما تحمل أنثى في بطنها من جنين، ولا تلد إلاَّ بعلمه تعالى، يعهلم أذكر هو أو أنثى، ويعلم أطوار هذا الجنين في بطن أمه، لا يخفى عليه شيء من أحواله وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ أي وما يطول عُمر أحدٍ من الخلق فيصبح هرماً، ولا يُنقص من عُمر أحد فيموت وهو صغير أو شاب إِلا وهو مسجَّل في اللوح المحفوظ، لا يُزاد فيما كتب الله ولا يُنقص إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ أي سهلٌ هيّن، لأن الله قد أحاط بكل شيء علماً، ثم ضرب تعالى مثلاً للمؤمن والكافر فقال: وَمَا يَسْتَوِي البحران أي وما يستوي ماء البحر وماء النهر هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ أي هذا ماء حلوٌ شديد الحلاوة يكسر وهج العطش، ويسهل انحداره في الحلق لعذوبته وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ أي وهذا ماءٌ شديد الملوحة، يُحرق حلق الشارب لمرارته وشدة ملوحته، فكما لا يتساوى البحران: العذبُ، والملح، فكذلك لا يتساوى المؤمن مع الكافر، ولا البرُّ مع الفاجر، قال أبو السعود: هذا مثلٌ ضُرب للمؤمن والكافر، والفراتُ الذي يكسر العطش، والسائع الذي يسهل انحداره لعذوبته، والأُجاج الذي يُحرق

صفحة رقم 521

بملوحته وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً أي وما كل واحدٍ منهما تأكلون سمكاً غضاً طرياً، مختلف الأنواع والطعوم والأشكال وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا أي وتستخرجون منهما اللؤلؤ والمرجان للزينة والتحلي وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ أي وترى أيها المخاطب السفن العظيمة، تمخرُ عُباب البحر مقبلة ومدبرة، تحمل على ظهرها الأثقال والبضائع والرجال، وهي لا تغرق فيه لأنها بتسخير الله جل وعلا لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ أي لتطلبوا بركوبكم هذه السفن العظيمة من فضل الله بأنواع التجارات، والسفر إلى البلدان البعيدة في مدة قريبة وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي ولكي تشكروا ربكم على إنعماه وإفضاله في تسخيره ذلك لكم، ثم انتقل إلى آية آخرى من آيات قدرته وسلطانه في الآفاق فقال: يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل أي يدخل الليلَ في النهار، ويدخل النهار في الليل، فيضيف من هذا إلى هذا وبالعكس، فيتافوت بذلك طول الليل والنهار بالزيادة والنقصان، حسب الفصول والأمصار، حتى يصل النهار صيفاً في بعض البلدان إلى ستة عشرة ساعة، وينقص الليل حتى يصل إلى ثمان ساعات آيةٌ من آيات الله تُشاهد لا يستطيع إنكارها جاحد أو مؤمن، ويحس بآثارها الأعمى والبصير.
. آيةٌ شاهدة على قدرة الله، ودقة تصرفه في خلقه، وهذه الظاهرة الكونية دستور لا يتغيَّر، ونظام محكم لا يأتي بطريق الصدفة، وإنما هو من صنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه، فسبحان المدبر الحكيم العليم!! وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى أي ذلَّلهما لمصالح العباد، كل منهما يسير ويدور في مداره الذي قدَّره الله له لا يتعداه، إلى أجلٍ ملعوم هو يوم القيامة ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الملك أي ذلكم الفاعل لهذه الأمور البديعة، هو ربكم العظيم الشأن، الذي له المُلك والسلطان والتصرف الكامل في الخلق والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ أي والذين تعبدون من دون الله من الأوثان والأصنام لا يملكون شيئاً ولو بمقدار القمطير، وهو القشرة الرقيقة التي بين التمرة والنواة، قال المفسرون: وهو مثلٌ يضرب في القلة والحقارة، والأصنامُ لضعفها، وَهَوان شأنها وعجزها عن أي تصرف صارت مضرب المثل في حقارتها بأنها لا تملك فتيلاً ولا قمطيراً، ثم أكد تعالى ذلك بقوله: إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ أي إن دعوتم هذه الأصنام لم يسمعوا دعاءكم ولم يستجيبوا لندائكم، لأنها جمادات لا تسمع ولا تفهم وَلَوْ سَمِعُواْ مَا استجابوا لَكُمْ أي ولو سمعوا لدعائكم على الفرض والتسليم ما استجابوا لكم لأنها ليست ناطقة فتجيب وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ أي وفي الآخرة حين ينطقهم الله يتبرؤون منكم ومن عبادتكم إياهم وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ أي ولا يخبرك يا محمد على وجه اليقين

صفحة رقم 522

أحدٌ إلا أنا الله الخالق العليم الخبير، قال قتادة: يعني نفسه عَزَّ وَجَلَّ.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان نوجزها فيما يلي:
١ - الاستعارة التثميلية مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا شبَّه فيه إرسال النعم بفتح الخزائن للإِعطاء وكذلك حبس النعم بالإِمساك، واستعير الفتح للإِطلاق والإِمساك للمنع.
٢ - الطباق بين يَفْتَحِ.. و.. يُمْسِكْ وكذلك بين يُضِلُّ.. و.. يَهْدِي وبين تَحْمِلُ.. و.. تَضَعُ وبين يُعَمَّرُ.. و.. يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ.
٣ - المقابلة بين جزاء الأبرار والفجار الذين كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ.. والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ وكذلك بين قوله: هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ.. وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وكل من الطباق والمقابلة من المحسنات البديعية إلا أن الأول يكون بين شيئين والثاني بين أكثر.
٤ - حذف الجواب لدلالة اللفظ عليه أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ ؟ حذف منه ما يقابله أي كمن لم يُزين له سوء عمله؟ ودّل على هذا المحذوف قوله: فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ.
٥ - الإِطناب بتكرار الفعل فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا ثم قال وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بالله الغرور.
٦ - الكناية فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ كناية عن الهلاك لأن النفس إذا ذهبت هلك الإِنسان.
٧ - الالتفات من الغيبة إلى التكلم للإِشعار بالعظمة أَرْسَلَ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ.
٨ - السجع لما له من وقع حسن على السمع مثل لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السعير لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ وأمثال ذلك وهو من المحسنات البديعية.

صفحة رقم 523

صفوة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد علي بن الشيخ جميل الصابوني الحلبي

الناشر دار الصابوني للطباعة والنشر والتوزيع - القاهرة
الطبعة الأولى، 1417 ه - 1997 م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية