ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅ

ونظرا لأن الدنيا دار ازدواج وامتزاج يوجد فيها الصالح والطالح، والعاصي والمطيع، ومن خلط عملا صالحا وآخر سيئا، فإن كتاب الله اعتبر كل شخص مسؤولا عن عمله الخاص من صلاح أو فساد، وطاعة أو معصية، ولم يعتبره مسؤولا شخصيا عن عمل غيره من الناس، وإن كانت عاقبة فساد المفسدين قد تعم الجميع في الحياة الدنيا، فتهلك الحرث والنسل، وتحرق الأخضر واليابس، على حد قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل :( أنهلك وفينا الصالحون ؟ ) قال :( نعم، إذا كثر الخبث ).
وهذا المبدأ، مبدأ المسؤولية الفردية، المتعلقة بكل شخص بمفرده، يوم الجزاء، وأمام القضاء، قرره كتاب الله وأكده في غير ما سورة وغير ما آية. وورد بنفس اللفظ والمعنى في سورة الأنعام :( ١٦٤ )، وسورة الإسراء :( ١٥ )، وسورة الزمر( ٧ )، وسورة النجم :( ٣٨ )، وهنا في سورة فاطر، حيث قال تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى ، وهذه السورة كلها مكية، مما يدل على أن مبدأ مسؤولية كل فرد عن عمله الخاص، وعدم مؤاخذته بعمل غيره، ولا مؤاخذة الغير بعمله، يكون جزءا لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية، وأصلا أساسيا من أصول التشريع الإسلامي، ومن بين الآيات التي قررت وأكدت هذا المبدأ العادل قوله تعالى ( ٢١ : ٥٢ ) : كل امرئ بما كسب رهين ، وقوله تعالى ( ٣٩ : ٥٣ ) : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، ثم يجزياه الجزاء الأوفى ، وذلك على خلاف المعمول به في عرف الطغاة المستبدين، قديما وحديثا، من مؤاخذة الفرد بعمل غيره، وإن كان لا دخل له فيه من قريب ولا من بعيد.
وليوضح كتاب الله ثقل المسؤولية الشخصية، الملقاة على عاتق كل فرد، صور لنا الشخص وهو يمشي مثقلا بأوزاره، يلتمس من رفاقه في القافلة إعانته والتخفيف عنه، فلا يستجيب له أحد، ولو كان من أقرب الأقربين، لأن كل واحد منهم ينوء بحمله الخاص، ولسان حاله يقول : نفسي نفسي ، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في إيجاز وإعجاز : وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء، ولو كان ذا قربى ، على غرار قوله تعالى في آية أخرى( ٣٧ : ٨٠ ) لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه .
وقوله تعالى خطابا لنبيه : إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب، وأقاموا الصلاة ، إشارة إلى أن الموعظة الحسنة إنما تحدث أثرها، وتؤتي أكلها على الوجه الأكمل، عندما يكون المستمع إليها والمنتفع بها ممن يؤمن بالله، ويؤدي حقوق الله، ومن فعل ذلك وأقبل على ممارسة العمل الصالح عادت بركته عليه، وانجر نفعه إليه، فعاش عيشة طيبة طاهر القلب، طاهر العرض، زكي النفس : ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه ، أما الله تعالى فهو غني عن عباده غنى مطلقا، بحيث لا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم، وإلى الله المصير( ١٨ ) ، أي : إليه سبحانه مرجع الخلق أجمعين، العصاة منهم والطائعين، ولا يظلم ربك أحدا ( ٤٩ : ١٨ ).

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير