ثم ذكرهم بالنعم ؛ لأن تذكر النعم سبب الفتح، فقال :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ .
قلت : غيرُ الله : من رفعه فنعت للمحل، أي : هل خالق غير الله، ومن جره : فنعت للفظ. و يرزقكم : إما استئناف، أو : صفة ثانية لخالق، و لا إله إلا هو : مستأنفة، لا محل لها.
يقول الحق جلّ جلاله : يا أيها الناس اذكروا نعمةَ اللهِ عليكم باللسان والقلب، وهي التي تقدمت، من بسط الأرض كالمهاد، ورفع السماء بلا عماد، وإرسال الرسل للهداية والإرشاد، والزيادة في الخلق، وفتح أبواب الرزق. ثم نبَّه على أصل النعم، وهو توحيد المُنْعم، فقال : هل من خالق غيرُ اللهِ يرزقكم من السماء بالمطر والأرض بالنبات، بل لا خالق يرزق غيره، لا إِله إِلا هو فأنى تُؤفكون فمن أيِّ وجه تُصرفون عن التوحيد إِلى الشرك.
وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : تذاكروا النعم ؛ فإن ذكرها شكر. هـ. وقال القشيري : مَنْ ذَكَرَ نعمَته فصاحبُ عبادةٍ، ونائِلُ زيادة، ومَن ذَكَرَ المُنْعِمَ فصاحبُ إرادة، ونائل زيادة، ولكنْ فرقٌ بين زيادة وزيادةً، هذا زيادته في الدارين عطاؤه، وهذا زيادته لقاؤه، اليومَ سِرًّاً بِسِرٍّ، من حيث المشاهدة، وغداً جَهْراً بِجَهْرٍ، من حيث المعاينة. هـ.
قلت : مَن تحقق بغاية الشهود لم يبقَ له فرق بين شهود الدارين ؛ إذ المتجلي واحد. ثم قال : والنعمة على قسمين : ما دَفَعَ من المِحَن، وما وضع من المِنَن، فَذِكْرُه لما دَفَعَ عنه يوجب دوامَ العصمة، وذكره لما نَفَعَه به يوجب تمام النعمة، هل من خالق غير الله... ؟ فائدة هذا التعريف بوحدانيته، فإذا عَرَفَ أنه لا رازق غيره ؛ لم يُعلِّق قلبَه بأحدٍ في طلب شيءٍ. وتَوَهم شيء من أمثاله وأشكاله، ويستريح لشهود تقديره، ولا محالة يُخْلِصُ في توكله وتفويضه. هـ.
ثم قال في قوله : وإِن يُكذِّبوك... الآية : وفي هذا إشارة للحكماء، وأرباب القلوب، مع العوامِّ والأجانب عن هذه الطريقة، فإنهم لا يقبلون منهم إلا القليل، وأهل الحقائق منهم أبداً في مقاساة الأذية، إلا بسَتْر حالهم عنهم، والعوام أقرب إلى هذه الطريقة من القُرَّاءِ المتعمقين، والعلماء المتجمدين، الذين هم لهذه الأصول منكرون. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي