ثم أجابهم المرسلون فقالوا «طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ » أي شؤمكم معكم، أي كُفْركُمْ.
قوله :«طائركم » العامة على «طائِر » اسم فاعل أي ما طَارَ لكم من الخير والشر، فعبر به عن الحظ والنصيب وقرأ الحسن- فيما روى عنه الزمخشري١ -«اطَّيْرُكُمْ » مصدر اطَّيَّرَ الذي أصله تَطَيَّرَ، فلما أريد إدغامه أبدلت الفاء٢ طاء وسكنت واجتلبت همزة الوصل وصار اطَّيَّر، فيكون مصدره «اطَّيَّاراً ».
ولما ذكر أبو حيان هذا لم يرد عليه وكان ( هو )٣ في بعض ما رد به على ابن مالك في شرح التسهيل في باب المصادر٤ أن مصدر «تَطَيَّر وتَدَارأ » إذا أدغما وصار «اطَّيَّر وادَّارأ » لا يجيء مصدرهما عليهما، بل على أصلهما، فيقال : اطَّيَّر تَطَيُّراً، وادَّارأَ تَدَارُءاً. ولكن هذه القراءة تَردُّه إنْ صحت. وهو بعيدٌ٥.
وقد روى غيره طَيْرُكُمْ بياء ساكنة٦. ويغلب على الظن أنها هذه. وإنما تصحفت على الراوي فحسبها مصدراً وظن أن ألف «قالوا » همزةُ وَصْلٍ.
قوله : أَإِن ذُكِّرْتُم قرأ السبعة٧ بهمزة استفهام بعدها إن الشرطية وهم على أصولهم من التسهيل والتحقيق، وإدخال ألف بين الهمزتين وعدمه في سورة ( البقرة )٨. واخْتَلَفَ سيبويه ويونسُ إذا اجتمع استفهام وشرط أَيُّها يُجَابُ ؟ فذهب سيبويه إلى إجابة الاستفهام، ويونُس إلى إجابة الشرط٩.
فالتقدير عند سيبويه أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ تَتَطَيُّرُون وعند يونس تَطَيُّرُوا١٠ مجزوماً.
فالجواب للشرط على القولين محذوف.
وقد تقدم هذا في سورة الأنبياء١١. وقرأ أبو جعفر وطلحة وزِرّ بهمزتين مفتوحتين١٢، إلاَّ أنَّ زِرّاً لم يسهل الثانية، كقوله١٣ :
٤١٧٢- أَإِنْ كُنْتَ بْنَ أَحْوَى مُرَحَّلاً. . . فَلَسْتَ برَاعٍ لابْن عَمِّكَ مَحْرَمَا١٤
وروي عن أبي عمرو وزرِّ أيضاً كذلك، إلا أنهما فصلاً بأَلِفٍ بين الهَمْزَتَين١٥. وقرأ المَاجَشُون١٦ ( بهمزة )١٧ واحدة مفتوحة١٨.
وتخرج هذه القراءات الثلاث على حذف لام العلة أي ( أَ ) لأَنْ ذُكّرْتُمْ تَطَيِّرْتُمْ ف «تطيرتم » هو المعلول، وأن ذكرتم عليته. والاستفهام منسحب عليهما في قراءة الاستفهام. وفي غيرها يكون إخبارا بذلك. وقرأ الحسن بهمزة واحدة مكسورة١٩ وهي شرط من غير استفهام، وجوابه محذوف أيضاً. وقرأ الأعمش والهَمْدَانيُّ أين٢٠ بصيغة الظرف. وهي أين الشرطية وجوابها محذوف عند جمهور البصريين٢١ أي أين ذكرتم فطائركم معكم أو صُحْبَتُكُمْ طائركم، لدلالة ما تقدم من قوله : طَائِرُكُم مَّعَكُمْ ومن يجوز تقديم الجواب لا يحتاج إلى حذف٢٢.
وقرأ الحسن وأبو جعفر وأبو رجاء والأصْمَعِيُّ٢٣ عن نافع ذُكِرْتُمْ بتخفيف الكاف٢٤.
فصل
قوله :«أئن ذكرتم » جواب عن قوله : لَنَرْجُمَنَّكُمْ أي أتفعلون بنا ذلك وإن ذكرتم أي وعظتم بالله وبين لكم الأمر بالمعجز والبُرْهان «بَلْ أَنْتُمْ قَومٌ مُسْرِفُونَ » مشركون مجاوزون٢٥ حيث تجعلون ما يُتَبرَّكُ به يتشاءم بِهِ وتقصدون إيلام من يجب إكرامه، أو مسرفون حيث تكفرون ثم تُصِرُّونَ٢٦ بعد ظهور الحق بالمُعْجِزة والبُرهان.
فإن قيل :( بل )٢٧ للإضراب فما ( الأمر ) المضروب عنه ؟
فالجواب : يحتمل أن يقال قوله : أَئِنْ ذُكِّرتم وارد على تكذيبهم فإنهم قالوا : نحن كاذبون وإن جئتنا بالبرهان لا بل قوم مسرفون. ويحتمل أن يقال : أنحن مشؤومون وإن جئنا ببيان صحة ما نحن عليه لا بل أنتم قوم مسرفون. ويحتمل أن يقال : أنحن٢٨ مستحقون الرجم والإيلام وإن بينا صحَّةَ ما أتينا به لا بل أنتم قوم مسرفون٢٩.
فصل
ذكر المفسرون أن عيسى - عليه ( الصلاة و ) السلام - بعث رجلين إلى أهل أنطاكية فَدَعَوَا إلى توحيد الله وأظهرا المعجزة من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى فحبسهم الملك فأرسل٣٠ بعدهما شمْعُون، فأتى الملك، ولم يدع الرسالة وقرب نفسه من الملك بحسن التدبير، ثم قال : إني أسْمَعُ ( أنَّ )٣١ في الحبس رَجُلَيْنِ يَدِّعيَا ( نِ )٣٢ أمراً بديعاً أفلا يحضران نسمع كلامهما ؟ فقال الملك : بلى فأحضرا وذكرا مقالتهما الحقَّةَ فقال شمعون : وهل لكما بيِّنَةٌ ؟ قالا : نعم فأبرءا الأكمه والأبرص وأَحْيَيا٣٣ الموتى. فقال شمعون : يا أيها الملك : إن شئت أن تَغْلِبَهم فقل للآلهة التي تعبدونها تفعل شيئاً من ذلك فقال له الملك أنت لا يخفى عليك أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تعلم فقال شمعون : فَإذَنْ٣٤ ظهر لي الحق من جانبهم فآمن الملك ( وقوم )٣٥ وكفر آخرون. وكانت الغلبة للمكذبِينَ٣٦.
٢ أي فاء الكلمة ميزانا طاؤها موزونا. وفي "ب" التاء على أصل المبدل..
٣ سقط من "ب".
وقد قال أبو حيان في البحر: "مصدر اطير الذي أصله تطير فأدغمت التاء في الطاء فاجتلبت همزة الوصل في الماضي والمصدر" البحر ٧/٣٢٧..
٤ قال: يصاغ المصدر من كل ماض أوله همزة وصل بكسر ثالثه وزيادة ألف قبل آخره ومن كل ماض أوله تاء المطاوعة أو شبهها بضم ما قبل آخره إن صح آخره وإلا خلف الضم الكسر. انظر: التسهيل باب مصادر غير الثلاثي ٢٠٦ وعبارته هنا مطلقة..
٥ قال في شرحه على التسهيل: "أطلق في مكان التقييد، لأنه ليس كل ماض أوله همزة وصل بكسر ثالثه مصدره وتزاد ألف قبل آخره ألا ترى أن تفاعل وتفعل إذا أدغمت فاؤها في الطاء نحو تطير وتطاير فقيل: اطير واطاير يصدق على هذين أنهما فعلان أولهما همزة وصل ومع ذلك مصدرهما لا يكسر ثالثه ولا تزاد ألف قبل آخره بل يقال: اطير يطاير اطايرا واطير اطيرا فكان ينبغي أن يقيد فيقول من كل ماض أوله همزة وصل ليس أصله تفاعل ولا تفعل انظر: التذييل ٦/١١٩..
٦ ذكرها كثانية الزمخشري في الكشاف ٣/٣١٨ كما ذكرها ابن خالويه في مختصره ١٢٥. وأجازه الإمام الفراء لغويا في المعاني ٢/٣٧٤، بينما قال الزجاج: "ويجوز طيركم معكم" لأنه يقال: طائر وطير في معنى واحد. ولا أعلم أحدا قرأ ههنا طيركم بغير ألف. انظر معاني القرآن وإعرابه ٤/٢٨٢..
٧ الواقع أن فيها سبعة أوجه من القراءات، فقرأ أهل المدينة أين ذكرتم بتخفيف الهمزة الثانية. وقرأ أهل الكوفة أأن بتحقيق الهمزتين. والثالث: آان بهمزتين بينهما ألف أدخلت الألف كراهة للجمع بين الهمزتين الرابع: أاان بهمزة بعدها ألف وبعد الألف همزة مخففة. والخامس: بهمزتين إلا أن الثانية همزة مخففة والسادس: أأن بهمزتين مفتوحتين. والسابع: أين ذكرتم بمعنى حيث. وانظر: إعراب النحاس ٣/٨٨ ومعاني الزجاج ٤/٢٨٢ والسبعة ٥٤٠ ومختصر ابن خالويه ١٢٥ ومعاني الفراء ٢/٣٧٤ والكشاف ٣/٣١٨ والنشر ٢/٣٥٣ والإتحاف ٣٦٤..
٨ سقط من "ب" وهو يشير إلى قوله: "أأنذرتهم" من الآية ٦ منها، وانظر: اللباب ١/٢٧ ب..
٩ عبارة الكتاب توحي بخلاف ما قاله المؤلف فقد قال: "وذلك نحو أإن تأتني آتك ولا تكتفي بمن لأنها حرف جزاء ومتى مثلها فمن ثم أدخل عليه الألف تقول: "أمتى تشتمني أشتمك" و "أمن يفعل ذلك أزره" وذلك لأنك أدخلت الألف على كلام قد عمل بعضه في بعض فلم يغيره. وأما يونس فيقول: "أئن تأتني آتيك" وهذا قبيح يكره في الجزاء وإن كان في الاستفهام" الكتاب ٣/٨٢ و ٨٣..
١٠ في "ب" تطيروا بتاءين..
١١ عند قوله: أفإن مت فهم الخالدون ٣٤ منها. وقد نقل أبو حيان نفس المعنى في البحر المحيط حيث ذهب إلى أن إجابة الاستفهام مذهب سيبويه وإجابة الشرط مذهب يونس. انظر البحر ٧/٣٢٧..
١٢ من القراءات الشاذة ذكرها ابن خالويه في المختصر ١٢٥ والفراء في معانيه ٢/٣٧٤..
١٣ في "ب" لقوله..
١٤ من الطويل ولم أعرف قائله. وداود بن أحوى اسم رجل. والمرحل: نوع من الثياب والمحرم الحرمة يتنكر منه إساءته إليه. وفي البحر: "بداع" لا براع. وفي السمين: "مراع" واستبعدها للحن النحوي فيه وإن كانت الضرورة تبيح ذلك وعلى كل فلا تباعد بن الروايات فيه. والشاهد "أإن" حيث حقق الهمزتين معا وتحقق التنظير بالآية. انظر: البحر المحيط ٧/٣٢٧ والدر المصون ٤/٥٠٢..
١٥ من الشواذ أيضا انظر: البحر ٧/٣٢٧ ومختصر ابن خالويه ١٢٥..
١٦ يوسف بن يعقوب بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون وردت عنه الرواية في حروف القرآن مات سنة ١٨٥ هـ انظر: طبقات القراء ٢/٣٢٧..
١٧ سقطت من "أ"..
١٨ شاذة انظر: المحتسب ٢/٢٠٥ والبحر ٧/٣٢٧ والكشاف ٣/٣١٨..
١٩ شاذة أيضا انظر: الكشاف والبحر ومختصر ابن خالويه السابقين..
٢٠ شاذة أيضا وانظر المراجع السابقة والمحتسب ٢/٢٠٥..
٢١ وهذا ما قال به ابن جني حيث قال "أين هنا شرط وجوابها محذوف لدلالة "طائركم" عليه فكأنه: قال: أين ذكرتم أو أين وجدتم وجد شؤمكم معكم وهذا كقولك: سيفك معك أين حللت، وكقولك: أنت ظالم إن فعلت" انظر: المحتسب ٢/٢٠٦..
٢٢ وهذا رأي الكوفيين والمبرد. انظر المقتضب لأبي العباس المبرد ٢/٦٦-٦٩..
٢٣ تقدم..
٢٤ الدر المصون ٤/٥٠٢..
٢٥ نقل القرطبي لها في الجامع عدة معان من ضمن هذه المعاني ما ذكره أعلى انظر: القرطبي ١٥/١٧ والرازي ٢٦/٥٤..
٢٦ في (ب) تصرفون..
٢٧ ما بين الأقواس ساقط من "ب"..
٢٨ في "ب" إنكم تحريف..
٢٩ الرازي ٢٦/٥٣و ٥٤..
٣٠ في "ب" وأرسل..
٣١ ساقط من "ب"..
٣٢ النون ساقطة من "ب"..
٣٣ في "ب" وأحيا بياء واحدة. تحريف..
٣٤ رسمت في "ب" فإذا..
٣٥ سقطت من "ب"..
٣٦ الرازي ٢٦/٥٣ و ٥٤..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود