ﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲ

والقمر قدرناه مَنَازِلَ . قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو برفع القمر على الابتداء. وقرأ الباقون بالنصب على الاشتغال، وانتصاب منازل على أنه مفعول ثانٍ، لأن " قدرنا " بمعنى : صيرنا، ويجوز أن يكون منتصباً على الحال : أي قدّرنا سيره حال كونه ذا منازل، ويجوز أن يكون منتصباً على الظرفية : أي في منازل. واختار أبو عبيد النصب في القمر ؛ لأن قبله فعلاً، وهو نسلخ ، وبعده فعلاً، وهو " قدّرنا ". قال النحاس : أهل العربية جميعاً فيما علمت على خلاف ما قال. منهم الفراء قال : الرفع أعجب إليّ، قال : وإنما كان الرفع عندهم أولى ؛ لأنه معطوف على ما قبله، ومعناه : وآية لهم القمر. قال أبو حاتم : الرفع أولى، لأنك شغلت الفعل عنه بالضمير، فرفعته بالابتداء، والمنازل : هي الثمانية والعشرون التي ينزل القمر في كل ليلة في واحد منها، وهي معروفة، وسيأتي ذكرها، فإذا صار القمر في آخرها عاد إلى أوّلها، فيقطع الفلك في ثمان وعشرين ليلة، ثم يستتر ليلتين، ثم يطلع هلالاً، فيعود في قطع تلك المنازل من الفلك حتى عَادَ كالعرجون القديم قال الزجاج : العرجون هو عود العذق الذي فيه الشماريخ، وهو فعلون من الانعراج، وهو الانعطاف : أي سار في منازله، فإذا كان في آخرها دقّ، واستقوس، وصغر حتى صار كالعرجون القديم، وعلى هذا فالنون زائدة. قال قتادة : وهو العذق اليابس المنحني من النخلة. قال ثعلب : العرجون الذي يبقى في النخلة إذا قطعت، والقديم : البالي. وقال الخليل : العرجون أصل العذق، وهو أصفر عريض، يشبه به الهلال إذا انحنى، وكذا قال الجوهري : إنه أصل العذق الذي يعوج، ويقطع منه الشماريخ، فيبقى على النخل يابساً، وعَرَجْتُه : ضربته بالعرجون، وعلى هذا فالنون أصلية. قرأ الجمهور العرجون بضم العين والجيم : وقرأ سليمان التيمي بكسر العين، وفتح الجيم، وهما لغتان، والقديم : العتيق.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله : وَمَا أَنزَلْنَا على قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ الآية يقول : ما كابدناهم بالجموع : أي، الأمر أيسر علينا من ذلك. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : يا حسرة عَلَى العباد يقول : يا ويلاً للعباد. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله : يا حسرة على العباد قال : الندامة على العباد الذين مَا يَأْتِيهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ يقول : الندامة عليهم يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ قال : وجدوه معمولاً لم تعمله أيديهم : يعني : الفرات، ودجلة، ونهر بلخ، وأشباهها أَفَلاَ يَشْكُرُونَ لهذا. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي ذرّ قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله : والشمس تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَا قال :«مستقرّها تحت العرش» وفي لفظ للبخاري، وغيره من حديثه قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس، فقال :«يا أبا ذرّ أتدري أين تغرب الشمس ؟» قلت : الله، ورسوله أعلم، قال :«إنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله : والشمس تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَا » وفي لفظ من حديثه أيضاً عند أحمد، والترمذي، والنسائي، وغيرهم قال :«يا أبا ذرّ، أتدري أين تذهب هذه ؟ قلت : الله، ورسوله أعلم، قال : فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها، فتستأذن في الرجوع، فيأذن لها، وكأنها قد قيل لها : اطلعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها».
ثم قرأ " ذلك مستقرّ لها " وذلك قراءة عبد الله. وأخرج الترمذي، والنسائي، وغيرهما من قول ابن عمر نحوه.
وأخرج الخطيب في كتاب النجوم عن ابن عباس في قوله : والقمر قدرناه مَنَازِلَ الآية قال : هي ثمانية وعشرون منزلاً ينزلها القمر في كلّ شهر : أربعة عشر منها شامية، وأربعة عشر منها يمانية، أولها الشرطين، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والدبرة، والصرفة، والعوّاء، والسماك. وهو آخر الشامية، والغفر، والزبانا، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، ومقدّم الدلو، ومؤخر الدلو، والحوت، وهو آخر اليمانية، فإذا سار هذه الثمانية وعشرين منزلاً عَادَ كالعرجون القديم كما كان في أوّل الشهر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله : كالعرجون القديم يعني : أصل العذق العتيق.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية