ﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲ

قوله : والقمر قَدَّرْنَاهُ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو برفع «القمر ». والباقون بنصبه١. فالرفع على الابتداء٢ والنصب بإضمار فعل على الاشتغال٣. والوجهان مستويان لتقدم جملةٍ ذاتِ وجهين وهي قوله : والشَّمْسُ تجري . فإن راعيت صدرها رفعت لتعطف جملة اسمية على مثلها وإن راعيت عَجْزَهَا نصبت لتعطف فعلية على مثلها٤. وبهذه الآية يبطل ( قول )٥ الأخفش : إنه لا يجوز النصب٦ في الاسم إلا إذا كان في جملة الاشتغال ضمير يعود على الاسم الذي تضمنته جملةٌ ذات وجهين قال : لأن المعطوف على الخبر خبر فلا بد من ضمير يعود على المبتدأ فيجوز :«أَزْيْدٌ قَامَ٧ وعمراً أكْرَمْتُه فِي دَارِهِ » ولو لم يقل «في داره » لم يجز ووجه الردّ من هذه الآية أن أربعة٨ من السبعة نصَبُوا وليس في جملة الاشتغال ضمير يعود على الشمس وقد أجمع على النصب في قوله تعالى :
والسمآء رَفَعَهَا [ الرحمن : ٧ ] بعد قوله : والنجم والشجر يَسْجُدَانِ [ الرحمن : ٦ ].
قوله : مَنَازِلَ فيه أَوْجُهٌ :
أحدها : أنه مفعول ثان لأن «قَدَّرْنَا » بمعنى صَيَّرْنَا٩.
الثاني : أنَّه حال ولا بد من حذف مضاف قبل منازل تقديره : ذَا مَنَازِلَ١٠ قال الزمخشري : لا بُدَّ من تقدير لفظ يتم به معنى الكلام، لأن القمر لم يجعل نفسه مَنَازلَ١١.
الثالث : أنه ظرف أي قدرنا مَسِيرَهُ فِي مَنَازِلَ١٢. وتقدم نحوه أول يونس١٣.
قوله : حتى عَادَ كالعرجون العامة على ضم العين والجيم. وفي وزنه وجهان :
أحدهما : أنه فُعْلُولٌ. فنونه أصلية وهذا هو المرجح١٤.
والثاني : وَهُو قول الزجاج : أن نونه مزيدة ووزنه فُعْلُونٌ١٥ مشتقاً من الانْعِرَاج، وهو الانعطاف وقرأ سُلَيْمَانُ١٦ التَّيْمِيُّ بكسر العين وفتح الجيم وهما لغتان كالبُزيون١٧ والبِزْيُون والعرجون عُود العِذْق ما بين الشماريخ إلى مَنْبِتِهِ من النخلة١٨ وهو تشبيه بديع شبه به القمر في ثلاثة أشياء دقَّتِهِ واستقواسه واصْفِرَارِهِ لأن العِذق الذي عليه الشماريخ إذا قَدِمَ وعَتِقَ دَقَّ وتَقَوَّسَ واصْفَرَّ١٩. والقديم ما تَقَادَمُ عَهْدُهُ بحكم العادة ولا يشترط في جواز إطلاق لفظ القديم عليه مدةً بعينها بل إنما يعتبر العادة حتى لا يقال لمدينة بنيت من سنةٍ أو سنتين لبنائها قديم أو هي مدينة قديمةٌ ويقال لبعض الأشياء : إنّه قديم وإن لم يكن له سنةٌ ( واحدة ) ولهذا جاز أن يقال : بَيْتٌ قديمٌ وبناء قديم ولم يجز ( أن يقال )٢٠ في العالم : إنه قديم ؛ لأن القِدَم في البيت والبناء يثبت بحكم تقادم العهد ومرور السنين عليه وإطلاق القديم على العالم بِتَمَادِي الأزمنة عند من ( لا )٢١ يعتقد أنه لا أول له ولا سابق عليه٢٢.

١ من القراءات السبعية المتواترة وانظر: الكشف ٢/٢١٦ وحجة ابن خالويه ٢٩٨ والنشر ٢/٣٥٣ والسبعة ٥٤٠ والإتحاف ٣٦٥..
٢ ورجحه مكي في الكشف فقال: "وحجة من رفع وهو الاختيار لأن عليه أهل الحرمين وأبا عمرو وأنه قطعه مما قبله وجعله مستأنفا فرفعه بالابتداء وقدرناه الخبر"..
٣ المرجعان السابقان وقد رجح الفراء الرفع أيضا فقال "الرفع فيه أعجب إلي من النصب". وانظر: النحاس ٤/٣٩٤ ومعاني الفراء ٢/٣٧٨ ومعاني الزجاج ٤/٢٨٧ والتبيان ١٠٨٢ والبيان ٢/٢٩٥ ومشكل الإعراب ٢/٢٢٦..
٤ الدر المصون ٤/٤١٨..
٥ سقط من "ب"..
٦ نقل رأيه هذا ابن مالك في التسهيل ٨١ وقد وافق الأخفش صاحب المفصل وشارحه. انظر: شرح المفصل لابن يعيش ٢/٣٢ و ٣٣..
٧ في "ب" وعمرو خطأ..
٨ وهم: حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر وهي القراءة المعهودة عندنا..
٩ التبيان ١٠٨٣ والبيان ٢/٢٩٥ ومشكل الإعراب ٢/٢٢٦..
١٠ المشكل والبيان والتبيان السوابق..
١١ الكشاف ٣/٣٢٣..
١٢ السابق..
١٣ عند قوله: هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل الآية ٥. اللباب ٤/٢٠..
١٤ ووزن فعلول بضم الفاء واللام كثير في كلامهم جدا وقد ثبتت النون في الفعل الماضي فقالوا: عرجنه بالعصا ضربه وعرجنه: ضربه بالعرجون، وعرجن الثوب: صور فيه صور العراجين وقال رؤبة:
في خدر مياس الدمى معرجن
اللسان: "ع ر ج" ٢٨٧١ و ٢٨٧٢ وانظر: التبيان ١٠٨٣ وابن الأنباري ٢/٢٩٥.
وقد جوز أبو البقاء الوجهين الأصل والزيادة بينما اعترض ابن الأنباري فقال: "ولا يكون وزنه على فعلون، لأنه ليس في كلامهم ما هو فعلون. وقد زعم بعضهم أن وزنه على فعلون من الانعراج والنون زائدة كما قالوا: فرسن ووزنه من الفرس وليس في الكلام فعلن غيره". .

١٥ معاني القرآن وإعرابه له ٤/٢٨٨..
١٦ سليمان بن قتة وهي أمة التيمي البصري عرض على ابن عباس وعرض عليه الجحدري. انظر: طبقات القراء ١/٣١٤..
١٧ الديباج الرقيق أو السندس..
١٨ وانظر: مجاز القرآن ٢/١٦١ وغريب القرآن ٣٦٥ وفسراه بالإهان إهان العذق الذي في أعلاه العثاكيل و "عود الكباسة". وانظر: معاني الفراء ٢/٣٧٨ والرازي ٢٦/٧٢..
١٩ الكشاف ٣/٣٢٣..
٢٠ ساقطتان من "ب"..
٢١ ساقطتان من "ب"..
٢٢ قاله الرازي في المرجع السابق..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية