نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٧:م٣٣
وأما الآية الكونية الثانية في نفس السياق فهي آية السماء، وما سخره الله فيها من شمس وقمر، وليل ونهار، لمصلحة الإنسان ومنفعته، وانتظام عيشه وراحته، وتحقيق أكبر حظ من هنائه وسعادته، وذلك قوله تعالى : وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون( ٣٧ ) والشمس تجري لمستقر لها، ذلك تقدير العزيز العليم( ٣٨ ) والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم( ٣٩ ) ، فبتنظيم الحياة اليومية للإنسان وتقسيمها إلى وقت ملائم لليقظة والنشاط والعمل : هو النهار، ووقت ملائم للاستجمام والراحة والنوم هو الليل، وبتعاقب الليل والنهار على الأرض ومن فيها وما فيها، بالحرارة والبرودة الملطفة لها، وبضياء الشمس ونور القمر، استطاع الإنسان أن يتحمل تكاليف العيش فوق سطح الأرض، وأن يكيف حياته فيها التكييف المناسب، وعبر كتاب الله عن إدبار النهار بضيائه، وإقبال الليل بظلامه، ببلاغته المعهودة فقال : وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون ، أي : خارجون من ضياء النهار، وداخلون في ظلام الليل في الحين.
وقوله تعالى : والشمس تجري لمستقر لها ، أي : تسير على ترتيب معلوم، ونظام مرسوم، لا تفاوت فيه ولا اختلاف، وهذا النظام يتجلى في دورانها حول نفسها أولا، وفي جريانها حول مدارها ثانيا، وذلك دون توقف وفي اتجاه واحد، في الفضاء الكوني الواسع، وبفعل دوران الأرض حول نفسها من الغرب إلى الشرق تتراءى لنا الشمس أيضا وهي تجري من الشرق إلى الغرب، وهذا المعنى الكوني الرائع يؤكده قوله تعالى في آية أخرى ( ٣٣ : ١٤ )، ( وسخر لكم الشمس والقمر دائبين )، أي لا يفتران ولا يقفان وسخر لكم الليل والنهار ، أما " مستقر "، الشمس الذي نطقت به الآية الكريمة فيصدق بمستقرها في المكان، وهو مدارها الذي لا تتجاوزه في الفضاء، ويصدق بمستقرها في الزمان، وهو ما تتعرض له في الأخير، من انقلاب وتغيير، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ( ١٤ : ٤٨ )، طبقا لقوله تعالى ( ٣١ : ٢٩ )، وسخر الشمس والقمر، كل يجري إلى أ جل مسمى ، وقوله تعالى ( ٨١ : ١ ) : إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت ، الآية.
وقوله تعالى : والقمر قدرناه منازل ، أي : وآية لهم القمر، معطوف على ما قبله، فيه إشارة إلى أن الله تعالى جعل سير القمر منازل متوالية، بحيث ينزل كل ليلة منها بمنزل، وعدد منازله ثمانية وعشرون منزلا، وسبق في سورة يونس قوله تعالى مبينا حكمته البالغة في ذلك ( ٥ ) : هو الذي جعل الشمس ضياء، والقمر نورا، وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب .
وحيث أن القمر يشرع نوره في التناقص والتراجع بعد الليلة الرابعة عشرة، ولا يأتي آ خر الشهر حتى يكون قد بلغ غاية النقص، فقد شبهه كتاب الله في هذه الحالة بالعنقود اليابس من الرطب إذا تقوس وانحنى وأصبح عتيقا، وذلك قوله تعالى : حتى عاد كالعرجون القديم ، والعرجون من " الانعراج " وهو الانعطاف.
وقوله تعالى : ذلك تقدير العزيز العليم ، ينصب معناه على الآية الكونية الأولى والآية الكونية الثانية، فهو تعقيب على ما سبقه، وتمهيد لما لحقه، إذ المراد به تنبيه كل غافل أو متغافل، وكل جاهل أو متجاهل، إلى أن هذا التنظيم الدقيق للكون، الملائم في كلياته وجزئياته لحياة الإنسان، والمنسجم مع فطرته وطبيعته، والضامن لمنفعته ومصلحته، إنما هو من صنع الله وحسن تدبيره، ولولا فضل الله على الإنسان ورحمته به لما تمكن من الانتفاع به، ولعجز عن تسخيره.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري