ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ

لا يؤمن من سبق في علم الله عدم إيمانه
" لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون.
إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون.
وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون.
وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون.
إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم ".
( سورة يس – الآيات : ٧، ٨، ٩، ١٠ )
المناسبة :
علم الله أن نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم – يقوم بالنذارة لقومه ويبذل غاية جهده في تنبيههم من الغفلة، وإنقاذهم من الهلكة.
وعلم أنهم لا يؤمن به إلا أقلهم، وعلم أن ذك يكون من أعظم ما يؤلم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم – لشدة حرصه على إيمانهم، و عظيم شفقته عليهم، ولعدم ظهوره ثمرة ما بذل من جهد في هدايتهم.
فأراد – تعالى – أن يقوي قلب نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم – على تحمل ذك بإعلامه به من أول الأمر، إذ ليس المؤلم المتوقع كالمؤلم الذي يصدم عن مفاجأة١، وأعظم منه الذي يصدم مع توقع ضده، كما هنا : فإن المتوقع منهم بعد الإنذار البالغ بالبرهان الساطع. هو إيمان أكثرهم لا كفره.
المفردات :
( حق ) : وجب و ثبت. ( القول ) : قول الله فيهم بما سبق في علمه : أنهم لا يؤمنون. ( فهم ) : أي أكثرهم.
التراكيب :
نفى الإيمان عنهم نفيا مؤكدا بالإخبار عن ضميرهم بجملة لا يؤمنون.
وقرنت الجملة بالفاء السببية ؛ لتفيد أن من سبق في علم الله عدم إيمانه لا يرجى إيمانه بحال ؛ فارتباط الثاني بالأول وارتباط لا انفكاك له.
المعنى :
لقد وجد وثبت ما سبق في علم الله، في أكثرهم، وما كان في قوله بعدم إيمانهم ؛ فلا يرجى من ذلك الأكثر – الذي سبق في علم الله عدم إيمانه – إيمان.
سؤال :
ما مات النبي - صلى الله عليه وآله وسلم – حتى عرج الإسلام جزيرة العرب ودخل الناس في دين الله أفواجا، ولا شك أن الذين ماتوا على الكفر هم الأقل بالمنسبة لمن آمنوا، فما معنى قله تعالى :" حق القول على أكثرهم ؟ ".
جوابه :
الذين قام النبي - صلى الله عليه وآله وسلم – بإنذارهم وأقام بين ظهرانهم مكررا للنذارة عليهم صباح مساء، مدة ثلاثة عشرة سنة، هم أهل مكة. فهم الذين تتعين إرادتهم من الضمير في قوله تعالى :" أكثرهم " و لا شك أن أكثر من أنذرهم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم – من أهل مكة ماتوا على الكفر.
سؤال على هذا الجواب :
هذا يقتضي أن المراد بلفظة " قوما " المتقدمة ؛ أهل مكة مع أن المفسرين فسروها بالعرب.
جوابه :
نسلم بهذا، ويكون تفسير " قوما " بالعرب نظرا لمماثلتهم لأهل مكة في وجوب إنذارهم، باعتبار مشاركتهم لهم في الوصف، وهو غفلتهم لعدم إنذار آبائهم.
لا حجة لمن مات على كفره بما سبق من علم الله فيه :
حجة الله على الخلق :
قامت حجة الله على خلقه بما ركب فيهم من عقل، وما مكنهم من اختيار٢ وما نصب له من آيات مشاهدات، وما أرسل إليهم من رسل بآيات بينات.
وهذه كلها أمور معلومة لديهم، ضرورية عندهم، لا يستطيعون أن ينكروا شيئا منها ؛ فلا يمكنهم أن يجحدوا ما عندهم من عقل ومن اختيار ولا أن ينفوا ما يشاهدونه من الآيات في المخلوقات، ولا أن ينكروا مجيء الرسل إليهم وما تلو عليهم من آيات.
وبهذه الأشياء قامت حجة الله عليهم، كان جزاؤهم على ما اختاروه بعدها لأنفسهم.
فأما ما سبق من علم الله فهو أمر مغيب عنهم، غير مؤثر فيهم ؛ لأن العلم ليس من صفات التأثير ولا دافع لهم، فليس لهم أن يحتجوا به لأنفسهم ؛ لأنهم لم يعملوا لأجله، كيف وهو مغيب منهم ؟ وإنما عملوا باختيارهم الذي يجدونه بالضرورة من أنفسهم.
توجيه للترتيب :
دقيقة في التوحيد :
تقوم حجة الله على العبد أولا.
ويعمل هو – كاسبا ومكتسبا – باختياره ثانيا :
ويظهر لنا مما سبق من على الله فيه بعد أن اختار ما اختار ثالثا.
ولهذا قدمت النذارة وما يرتبط بها على هذه الآية فيها بيان ما سبق من علم الله فيهم.
تقريب :
قد يكون لرجل ولدان هو عالم بنفسيتها، وأخلاقهما، وسيرتهما.
ثم يأمرهما بأمر فيه الخير لهما، وهو يعلم – بما علم من أحدهما – أنه يمتثل، ويعلم – بما علم من الآخر – أنه يخالف٣.
ويقول لأهل بيته : إن فلانا سيمتثل، و إن فلانا سيخالف.
فيظهر ما قاله وما علمه في كل واحد منهما ؛ فجازى الممتثل على طاعته، وجازى المخالف على عصيانه.
فلا شك أن هذا الرجل قد أحسن إلى ولديه بما أمرهما به من خير، وفعل ما تقتضيه أبوته من النصح والإرشاد، ولا يقدح في ذلك علمه بما سيكون منهما٤
كما أن هذين الولدين قد نال كل واحد منهما ما سبق دون أن يكون للمخالف منهما حجة على مخالفته بما كان يعلمه منه أبوه.
عدل الله :
لله المثل الأعلى، فقد أحاط بكل شيء علما، فعلم من سيطيعه : ومن سيعصي.
ولكنه الحكم العدل، فلم يكن ليجازيهم على سابق علمه فيهم، الذي لا دخل لهم فيه.
بل جعل جزاءهم بعد إقامة الحجة عليهم بما يكون من اختيارهم، ليكون جزاءهم على ما عملوا، وما قدمت أيديهم وما لهم دخل فيه بالكسب والاكتساب٥.
تعليم :
المجازاة بعد العمل :
أرأيت كيف أن الله – تعالى – لم يجاز الخلق على مقتضى علمه فيهم، وهو العلم الذي لا يتخلف، وإنما جعل جزاءهم على أعمالهم.
فهذا تعليم لنا : كيف تكون معاملتنا بعضنا لبعض ؟ فلا نجازي على مجرد الظن، بل ولا على مجرد اليقين. وإنما تكون المجازاة بعد صدور الأعمال.
فرب شخص قدرت فيه الخير أو الشر، ففعل ضد ما قدرت ! فلو جازيته قبل الفعل لما طابق جزاؤك موضعه، ولنال كل ما لا يستحقه.
فالحكمة والعدل والمصلحة في ربط المجازاة بالأعمال، وهذا ما كان من الله في مجازاة خلقه، وهذا ما ينبغي أن نربط به المجازاة بيننا.
تمثيل حال المعرضين عن الحق المعاندين فيه :
" إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون.
وجعلنا من بين أيديهم سدا، ومن خلفهم سدا، فأغشيناهم فهم لا يبصرون ".
المناسبة :
لما ذكر عدم إيمانهم، وكان مبدأ ذلك بإعراضهم عن الحق واختيارهم الكفر على الإيمان، ذكر ما عاقبهم الله به من منعهم عن الخير ودوام الإعراض عنه.
المفردات :
( الغل ) : ما يجعل في العنق محيطابه.
( الذقن ) : مجمع اللحيين، ملتقى عظميهما تحت الفم.
( مقمحون ) : رافعون رؤوسهم. يقال : قمح البعير قموحا إذا رفع رأسه عند الحوض وامتنع عن الشرب. ويقال : أقمحه الغل إذا ترك رأسه مرفوعا لضيقه.
( السد ) : الحاجز بين الشيئين.
( فأغشيناهم ) : جعلنا عليهم غشاء أي غطاء، أحاط بجميع الذات فمنع العيون من الإبصار.
التراكيب :
( فهي إلى الأذقان ) : أي الأغلال منتهية من أسفل الأعناق إلى الأذقان.
وهذا كناية عن عرضها، ولذا فرع عليه فهم مقمحون.
وفرع عدم إبصارهم على جعل سد أمامهم وسد خلفهم ؛ لإلتزاق السدين بهم، وضغطهما عليهم، فكما لا يستطيعون معهما تحركا لا يستطيعون إبصارا.
و كيف يبصر من وجهه ملتزق بالحائط مثلا ؟
المعنى :
إنا جعلنا في أعناق هؤلاء الذين لا يؤمنون أغلالا ضيقة عريضة، تركتهم رافعين رؤوسهم عن مناهل الإيمان، لا يستطيعون أن يطأطئوا رؤوسهم إليها فيرتووا.
وجعلنا أمامهم حجابا وخلفهم حجابا محيطين و ملتزقين بهم و مغطيين لجميع ذواتهم، فلا يستطيعون معها تحريكا و لا إبصارا.
توجيه التمثيل :
الإدراك بالفطرة والنظر :
دعوا إلى الإيمان والتوحيد ومكارم الأخلاق، وهذه أمور مدرك حسنها بالفطرة السليمة، فهي كالماء الذي تقبل عليه الحيوانات بفطرتها، فلما أعرضوا عنها ؛ شبهوا بالإبل المقمحة عن الماء.
ثم إن هذه الأمور كما يدرك حسنها بالفطرة السليمة، تدرك باستعمال النظر فيما بين الإنسان من الآيات التي يراها ويشاهدها، وما خلفه من أيام الله في الأمم التي بلغته أخبارها وأنباؤها.
فلما أعرضوا عما يرون وما قد سمعوا شبهوا بمن جعل بين سدين ملتزقين و محيطين به، فجمد في مكانه ؛ فلا هو يتحرك إلى ناحية ولا هو يبصر شيئا.
ترهيب :
كل ما دعا إليه الإسلام من عقائد وأخلاق وأعمال، فهو مما تقبله الفطر السليمة، وتدركه العقول بالنظر الصحيح.
فمن قابل دعوة الإسلام بالإعراض والعناد، وخالف فطرته، وعاكس عقله، كان حقيقا بهذا العقاب الشديد من طمس البصيرة، والطبع على القلب ؛ فذكر الله لنا هذه العقوبة بهذا التمثيل البليغ، الذي صورها في أبشع وأفظع صورة ؛ ليحذرنا من الإعراض عن الحق والعناد له، ويخوفنا بعاقبة ذلك على أهله.
تعليم :
عرض الأمور على الفطرة والعقل :
لكل إنسان فطرته وعقله، فعلينا إذا دعينا إلى شيء أن نعرضه عليهما راجعين إلى الفطرة الإنسانية، وإلى العقل البشري منزهين عن الأغراض والأهواء والأوهام والشبهات٦.
فإذا كان هلاك هؤلاء بعدم الاستفادة منهما، فإن النجاة عن ما تعرض الأمور بالرجوع إليهما.
ونجد القرآن العظيم يخاطب العقل والفطرة ؛ ليعلمنا الرجوع إليهما والاستفادة منهما.
من استوى عنده الإنذار وعدم الإنذار لا يرجى منه إيمانا :
" وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون "
المناسبة :
لما ذكر – تعالى – عدم إيمانهم لما سبق من علم الله فيهم ذكر هنا سببا آخر لذلك، وهو استواء الإنذار وعدمه لديهم.
الترتيب :
ذكر هذا السبب إثر ما تقدم من وصف حالهم في شدة الإعراض، للتنبيه على أن من فسدت فطرته، وانطمس عقله، يستوي عنده الإنذار وعدمه، فلا يكون منه إيمان على كل حال.
المفردات والتراكيب :
( سواء ) : بمعنى مستو. والهمزة الأولى أصلها للاستفهام، وليس مرادا هنا، وتسمى في مثل هذا التركيب همزة التسوية، لوقوعها بعد لفظها٧، ودخولها على الأول من أمرين يراد التسوية ما بينهما. وهي حينئذ من أدوات السبك ولذا يكون تأويل الكلام هكذا : سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك.
المعنى :
إن أكثر أهل مكة الذين حكم الله بعد إيمانهم، بلغوا من شدة الإعراض والعناد إلى حيث استوى عندهم الضدان : الإنذار وعدم الإنذار، فمحقق منهم عدم الإيمان و مأيوس من صدورهم من ناحيتهم٨.
تحذير :
إهمال النظر أعظم الضرر :
يذكر الله – تعالى – حالة هؤلاء الذين استوى عندهم الشيء و ضده، يحذرنا منها، ومما يؤدي إليها، من إهمال الفطرة وترك النظر.
فإن الإنسان إنما يمتاز على بقية الحيوان بتمييزه بين الحقائق بالفطرة والفكرة، وإدراكه الفوارق ما بينها. فإذا سلب هذه المزية ؛ التحق بالعجماوات ؛ بل كانت العجماوات خيرا منه لبقاء فطرتها سليمة لإدراك ما فيها استعدادا لإدراكه٩.

١ ولذا على المرء أن يوطن نفسه في هذه الحياة على الألم قبل اللذة والشدة قبل الفرج والتعب قبل الراحة، ومن ثم يستريح ويريح، ويقابل الحياة بأفق أوسع، ونفس راضية..
٢ يرى الإمام دائما أن الإنسان حر مختار، له إرادة ومشيئة وقوة واختيار، بسبب ما ذكر، وهذا حق. وما عدا ذلك لا يلتفت إليه..
٣ وسبق العلم و شموله، هو الفرق بين علمنا وعلم الله تعالى..
٤ قيل : لإظهار ما قدر بالقوة إلى الفعل في وقته وزمانه..
٥ تحليل لطيف ودقيق من المفسر، وهو على بساطته ولطف مدخله أسلم من مزالج كبيرة حار فيها المتكلمون والباحثون عن القضاء والقدر، وتركب الصفات... وقولهم بأن الإنسان في عالم الذرة اختار مصيره ووجهته... الخ..
٦ ثم نحكم في هدوء واتزان بعد ترو وتفكير، وهذا من مناهج البحث الحديثة..
٧ بعد لفظ سواء..
٨ فاستوى عندهم الإنذار والظلم، بل أكثر من هذا :" فإنها لا تعمي الأبصار، ولكن تعمي القلوب التي في الصدور"..
٩ إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضل سبيلا..

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير