ﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ

ضرب أورد، وساق.
مثلا شأنا عجيبا، وقصة غريبة.
رميم بليت أشد البلى.
أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين( ٧٧ )وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم( ٧٨ )قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم( ٧٩ )الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون( ٨٠ )أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم( ٨١ )إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون( ٨٢ )فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون( ٨٣ ) .
الآيات الست السابقات من الآية٧١وحتى الآية السادسة والسبعين بينت بطلان إشراكهم بالله عز وجل، بعدما عاينوا ما يوجب التوحيد والإسلام : أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما.. ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون. واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون. لا يستطيعون نصرهم.. الآيات، ثم جاءت هذه التي ختم الله تعالى بها السورة المباركة لبيان بطلان إنكارهم البعث بعدما شاهدوا في أنفسهم ما يوجب اليقين الراسخ به، أي : أولم يتفكر الإنسان ويعلم أنا أوجدناه من شيء يسير مهين من ماء دافق، من مني يمنيه الرجل فيقر الله تعالى منه ما يشاء في رحم المرأة، ثم يطوره العليم القدير فيكون علقة ثم مضغة، ثم يكون عظما ثم يكسوا اللطيف الخبير العظم لحما، ثم يصوره سبحانه كيف يشاء، ثم يخرجه طفلا، ويهبه السمع والبصر والعقل، ويمنحه ما قسم له من عطاء. ورزق ؟ !أولم يتفكر هذا الإنسان في أحوال نفسه، فيتذكر نشأته لينقاد ويخضع ؟ ! فالاستفهام هنا للإنكار والتعجيب، فإذا هو خصيم الفاء وإذا الفجائية تقوي التعجيب ؛ و خصيم أي : مبالغ في الخصومة والجدال بالباطل مبين ظاهر متجاهر في ذلك، -أي : أولم يستدل من أنكر البعث بالبدء على الإعادة ؟ ! فإن الله ابتدأ خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين، فخلقه من شيء حقير ضعيف مهين... فالذي خلقه من هذه النطفة الضعيفة أليس بقادر على إعادته بعد موته ؟ !_١. وضرب وأورد وساق لنبينا مثلا شأنا عجيبا وقصة غريبة، هذا الإنسان الذي غفل عن بدايته استبعد البعث والإعادة والقضاء والجزاء حتى قال ما حكاه رب العزة والجلال :.. وما أظن الساعة قائمة.. ٢ وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم.. ٣، ونسي خلقه وترك التذكر في نشأته، وصار كالناس لها لعدم جريه على ما يستوجبه التفكر والعلم، قال من يحيي العظام وهي رميم .
[ قال استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من حكاية ضربه المثل، كأنه قيل : أي مثل ضرب ؟ أو : ماذا قال ؟ فقيل : قال من يحيي العظام وهي رميم منكرا ذلك، ناكرا من أحوال العظام ما تبعد معه من الحياة غاية البعد، وهي كونها رميما، أي بالية أشد البلى، والظاهر أن رميم صفة لا اسم جامد، فإن كان من رمّ اللازم بمعنى : بلى فهو فعيل بمعنى فاعل، وإنما لم يؤنث لأنه غلب استعماله غير جار على موصوف فألحق بالأسماء الجامدة... لم يقل : رميمة، لأنه معدول عن فاعلة، فكل ما كان معدولا عن وجهه ووزنه كان مصروفا عن أخواته، ومثله بغيا في قوله تعالى :.. وما كانت أمك بغيا ٤ أسقط الهاء منها لأنها مصروفة عن باغية... وإن كان من رم المتعدي بمعنى : أبلى.. وأصل معناه الأكل.. من رمت الإبل الحشيش فكأن ما بلى أكلته الأرض.. وتذكيره على هذا ظاهر، للإجماع على أن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث.. ]٥.
قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم علم الله تعالى نبيه وعلمنا حجته على منكري الإحياء بعد الإماتة، وأن الذي خلق العظام والأجساد التي كانت فيها، هو الذي يخرجها من القبور بعد أن بليت ويحييها، وقد علم ما تنقص الأرض من الموتى، قال أهل البيان : سمى قولهم : من يحيي العظام وهي رميم : مثلا لأن إنكار قدرة الله تعالى على إحياء الموتى قصة عجيبة، وفيه تشبيه الخالق القادر العليم بالمخلوق العاجز عن خلق أدنى بعوضة، الجاهل بما يجري عليه من الأحوال...
واعلم أن المنكرين للحشر منهم من اكتفى في إنكاره بمجرد الاستبعاد كقوله : من يحيي العظام وهي رميم فأزال استبعادهم بتصوير الخلق الأول، فإن الذي قدر على جعل النطفة المتشابهة الأجزاء إنسانا مختلف الأبعاض والأعضاء، مودعا فيه : الفهم والعقل، وسائر أسباب المزيّة، فهو على إعادتها أقدر، ومنهم من ذكر شبهة كقولهم : إن الذي تفرقت أجزاؤه في أبدان السباع وجدران الرباع كيف يجمع ويعاد ؟ !.. فأجاب الله تعالى.. بقوله : يحييها الذي أنشأها أول مرة يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئا مذكورا فإنه يعيده وإن لم يكن شيئا.... وهو بكل خلق عليم فيجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع والسباع، وهكذا يعلم الأصلي من الفضلي.. -٦.
الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون والذي بدل من الموصول الذي الأول، صير الله تعالى-الذي أحياكم أول مرة-صير ويسر لكم من الشجر الندي الرطب المخضر المكتنز الماء نارا حارة، فأخرج المحرق من العود الغض الطري، [ والمشهور أن المراد بهذا الشجر المرخ والعفار، يتخذ من المرخ.. الزند.. ومن العفار.... ويسحق الأول على الثاني وهما خضروان يقطر منهما الماء فتنقدح النار بإذن الله تعالى...
وعن ابن عباس والكلبي : في كل شجر نار إلا العناب... وأنشد الخفاجي لنفسه :

أيا شجر العناب نارك أوقدت بقلبي وما العناب من شجر النار
واشتهر العموم وعدم الاستثناء، ففي المثل : في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، أي : استكثرا من النار.... واختار بعضهم حمل الشجر الأخضر على الجنس، وما يذكر من المرخ والعفار من باب التمثيل، وخصا لكونهما أسرع وريا، وأكثر نارا، كما يرشد إليه المثل، ومن إرسال المثل : المرخ والعفار لا يلدان غير النار.. وأشار سبحانه بقوله الذي الخ إلى أن من قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها بكيفيته، فإن الماء بارد رطب، والنار حارة يابسة كان جل وعلا أقدر على إعادة الغضاضة إلى ما كان غضا فيبس وبلى... ]٧، أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم أليس الذي أنشأ أول مرة أوليس الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا، الذي خلق السماوات والأرض- وخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس- أوليس ذلك بقادر على أن يخلق مثل هؤلاء المنكرين للحشر، ومثل الأناسي، ومثل سائر الخلق ؟ ! بلى إنه على ذلك وعلى كل ما أراد لقدير، وهذه الآية كقوله تبارك اسمه : أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير ٨.
وهو الخلاق العليم كثير خلقه، بديع صنعه، يخلق ما يشاء، وخلقه عجيب كما وكيفا فهو الفعال لما يريد وهو العليم بكل ما خلق ويخلق، لا تخفى عليه خافية، -ومثل لنا شبها بقوله : من يحيي العظام وهي رميم إذ كان لا يقدر على إحياء ذلك أحد- يقول فجعلنا كمن لا يقدر على إحياء ذلك من الخلق ونسي خلقه يقول : ونسي خلقنا إياه كيف خلقناه، وأنه لم يكن إلا نطفة فجعلناها خلقا سويا ناطقا-يقول : فلم يفكر في خلقنا له فيعلم أن من خلقه من نطفة حتى صار بشرا سويا ناطقا متصرفا لا يعجز أن يعيد الأموات أحياء، والعظام الرميم بشرا كهيئتهم التي كانوا بها قبل الفناء- يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهذا المشرك القائل لك : من يحيي العظام وهي رميم ! يحييها الذي أنشأها أول مرة يقول : يحييها الذي ابتدع خلقها أول مرة ولم تكن شيئا وهو بكل خلق عليم يقول : وهو بجميع خلقه ذو علم، كيف يميت وكيف يحيي، وكيف يبدئ وكيف يعيد، لا يخفى عليه شيء من أمر خلقه-٩.
إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون يأمر سبحانه بالشيء أمرا واحدا لا يحتاج إلى تكرار أو تأكيد، وهذه كالآية المباركة : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ١٠.
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء فتنزه وتقدس الملك المهيمن الذي له السلطان والتدبير، وله مقاليد جميع الأمور.
وإليه ترجعون وإليه عز وجل تردون، تحيون بعد موتكم وعلى ربكم تعرضون، وعما عملتم تسألون وتحاسبون، وتجزون فمنكم معذب، وأهل اليقين لهم عند ربهم ما يشاءون، في الصحيحين ( أن رجلا حضره الموت فلما يئس من الحياة أوصى أهله : إذا أنا متّ- : أو : أمر بنيه أن يحرقوه ثم يسحقوه ثم يذرّوا نصفه في البر ونصفه في البحر في يوم رائح-أي كثير الهواء-ففعلوا ذلك فأمر الله تعالى البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه ثم قال له كن فإذا هو رجل قائم فقال له ما حملك على ما صنعت قال مخافتك وأنت تعلم فما تلافاه أن غفر له )١١. [ والملكوت مبالغة في الملك.. فهو الملك التام١٢.. وفسر الملكوت أيضا بعالم الأمر والغيب، فتخصيصه بالذكر قيل : لاختصاص التعرف فيه به تعالى من غير واسطة بخلاف عالم الشهادة... وإليه ترجعون لا إلى غيره تعالى، وهذا وعد للمقربين، ووعيد للمنكرين، فالخطاب عام للمؤمنين والمشركين...

فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

تعيلب

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير