ﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ

وهكذا جملة وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِىَ خَلْقَهُ معطوفة على الجملة المنفية داخلة في حيز الإنكار المفهوم من الاستفهام، فهي تكميل للتعجيب من حال الإنسان، وبيان جهله بالحقائق، وإهماله في نفسه فضلاً عن التفكر في سائر مخلوقات الله، ويجوز أن تكون جملة فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ معطوفة على خلقنا، وهذه معطوفة عليها أي : أورد في شأننا قصة غريبة كالمثل : وهي إنكاره أحياناً للعظام، ونسي خلقه، أي خلقنا إياه، وهذه الجملة معطوفة على ضرب، أو في محلّ نصب على الحال بتقدير قد.
وجملة قَالَ مَن يُحييِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ استئناف جواباً عن سؤال مقدّر كأنه قيل : ما هذا المثل الذي ضربه ؟ فقيل : قال من يحيي العظام، وهي رميم، وهذا الاستفهام للإنكار ؛ لأنه قاس قدرة الله على قدرة العبد، فأنكر أن الله يحيي العظام البالية حيث لم يكن ذلك في مقدور البشر، يقال : رمّ العظم يرمّ رماً إذا بلي، فهو رميم، ورمام، وإنما قال : رميم ، ولم يقل :" رميمة " مع كونه خبراً للمؤنث ؛ لأنه اسم لما بلي من العظام غير صفة كالرمة والرفات. وقيل : لكونه معدولاً عن فاعلة، وكل معدول عن وجهه يكون مصروفاً عن إعرابه كما في قوله : وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً [ مريم : ٢٨ ]، لأنه مصروف عن باغية، كذا قال البغوي، والقرطبي، وقال بالأوّل صاحب الكشاف. والأولى أن يقال : إنه فعيل بمعنى : فاعل، أو مفعول، وهو يستوي فيه المذكر، والمؤنث كما قيل في جريح وصبور.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في معجمه، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث والضياء في المختارة عن ابن عباس قال : جاء العاص بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل، ففته بيده، فقال : يا محمد أيحيي الله هذا بعد ما أرم ؟ قال :«نعم يبعث الله هذا، ثم يميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم» فنزلت الآيات من آخر يس أَوَ لَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه مِن نُّطْفَةٍ إلى آخر السورة. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه قال : جاء عبد الله بن أبيّ في يده عظم حائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر مثل ما تقدّم قال ابن كثير : وهذا منكر ؛ لأن السورة مكية، وعبد الله بن أبيّ إنما كان بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : جاء أبيّ بن خلف الجمحي، وذكر نحو ما تقدّم. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً قال : نزلت في أبي جهل، وذكر نحو ما تقدّم.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية