قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي بيان لإنابة قدم الاستغفار على استيهاب الملك جريا على عادة الأنبياء والصالحين بتقديم الاستغفار على السؤال. قرأ نافع وأبو عمرو من بعدي بفتح الياء والباقون بإسكانها في سياق هذا الكلام دلالة على أن فتنة سليمان إنما كان ابتلاء من الله تعالى إياه لرفع درجاته في الدنيا والآخرة كفتنة أيوب عليه السلام ولم يكن فيها زلة ومعصية من سليمان عليه السلام وإلا لبالغ في الندم والاستغفار ولم يسأل غير المغفرة والتوبة ولقال الله سبحانه فغفرنا له ذلك كما قال في قصة داود عليه السلام، قال مقاتل وابن كيسان أي لا يكون من بعدي لأحد وقيل معنى من بعدي من سوائي كما في قوله تعالى : فمن يهديه من بعد الله وقال عطاء بن أبي رباح يريد هب لي ملكا لا تسلبنه في آخر عمري وتعطيه غيري كما سلبته آنفا، قيل سأل سليمان ذلك ليكون آية لنبوته ومعجزة له قال مقاتل كان سليمان ملكا ولكنه أراد بقوله : لا ينبغي لأحد من بعدي تسخير الرياح والطير والشياطين بدليل ما بعده، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن عفريتا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد حتى ينظر له كلكم فذكرت دعوة أخي سليمان رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي فرددته خاسئا " متفق عليه، قلت : ويمكن أنه أراد به لا ينبغي لأحد من بعدي في المرتبة قال ذلك شفقة على الناس يعني من كان مثلي في انقطاع التعلقات عن الخلق واشتغال قلبه بحب الله ومعرفته لا يضره ولا يشغله عن الله شيء فكان له الدنيا وسيلة لكسب الحسنات ومن لم يكن كذلك كانت الدنيا له شاغلا عن الله فكانت له سما قاتلا. فإن قيل الحديث يأبى عما قلت فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان أعلى مرتبة من سليمان ولم يكن يعط ملكا مثله ولذلك لم يربط العفريت بالسارية ؟ قلنا نعم إنه صلى الله عليه وسلم كن أعلى مرتبة من سليمان لكن لا نسلم أنه لم يعط ملكا مثله لأجل دعائه بل الله سبحانه خيره بين أن يكون نبيا ملكا أو يكون نبيا عبدا فاختار كونه نبيا عبدا لكون الفقر أفضل عنده ودل هذا الحديث أيضا على أن الله تعالى مكنه على العفريت أن يربطه بالسارية لكنه صلى الله عليه وسلم لم يربط باختياره حياء من سليمان عليه السلام وكان النبي صلى الله عليه وسلم نافذا حكمه على الجن والإنس.
| تأتي بدعوته الأشجار ساجدة | تمشي إليه على ساق بلا قدم |
التفسير المظهري
المظهري