تمهيد :
يمتحن الله عباده لرفع درجاتهم، وتكفير سيئاتهم، وتمرينهم على تحمل البلاء، وتوجيههم إلى الطريق المفيد النّافع، فهي دروس يمتحن الله بها الرّسل والأنبياء، ليأخذوا منها العبرة ونور البصيرة.
قال تعالى : ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم . [ محمد : ٣١ ].
ومن ذلك امتحان سليمان، وفتنته بالاختبار والبلاء، ثم إنابته ورجوعه إلى الله.
وفي الحديث الصحيح أنه عزم أن يطوف على أربعين زوجة من زوجاته، يبدأ ذلك من ليلة معينة، ونسي ان يقول إن شاء الله، وكان يأمل أن تأتي كل امرأة منهن بولد، فلم تأت أي واحدة منهن بولد، إلا واحدة جاءت بسقط، فوضعته القابلة على كرسيه، فهذا أقرب الآراء إلى فتنة سليمان عليه السلام.
وقد وردت في الإسرائيليات قصص كثيرة، أمرنا أن نضرب عنها صفحا لغرابتها، وبُعْدها عن النقل الصحيح، والعقل السليم، مثل أن سليمان أعطى خاتمه لجرادة وكانت أحب نسائه إليه، فجاء الشيطان لها في صورة سليمان ومثّل صوت سليمان، وطلب منها الخاتم الذي أعطاه لها، فأعطته له، فصار يتحكم في الملك، وسليمان محروم من الملك، حتى استرد خاتمه، وقد رفض المفسرين الثقات هذه الآراء ١.
لقد أمرنا أن نستخدم تراثنا الأمين، وأن نحكم عقولنا المتخصصة، أي عقول من دروس القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وتاريخ التشريع، وعلوم الدين الإسلامي، ليقول كلاما حكيما في تفسير كتاب الله تعالى.
قال تعالى : فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون . [ الأنبياء : ٧ ].
المفردات :
لا ينبغي : لا يتيسّر.
من بعدي : من دوني
التفسير :
٣٥- قال ربي اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب .
قدّم سليمان طلب المغفرة من الله، حتى يكون طاهرا، لأنه قد يترك الأفضل والأولى، فاحتاج إلى طلب المغفرة، كما قالوا : حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولأن هذا في مقام التذلل والخضوع، كما قال صلى الله عليه وسلم : " إني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة ".
وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب .
أي : هب لي ملكا لا يكون لأحد غيري لعظمه، أي أن يكون زائدا على الممالك زيادة خارقة للعادة، بالغة حدّ الإعجاز، ليكون ذلك دليلا على نبوّته، وقاهرا للمبعوث إليهم، ونلحظ أن سليمان قدّم الدعاء بطلب المغفرة، وآخر الدعاء بطلب الملك، وقد نتساءل : كيف يهتم رسول آمين بمطالب دنيوية ؟ والجواب : أن سليمان كان مشغولا بنشر الدعوة، وتبليغ الرسالة إلى المماليك المجاورة، فطلب من الله تعالى أمرا عظيما معجزا، ليساعده في إعلاء كلمة الله، ونشر العدالة بين الناس، وإنصاف المظلوم، وتنفيذ شرع الله على الوجه الأكمل.
تفسير القرآن الكريم
شحاته