أي اغفر لي ما صدر عني من الذنب الذي ابتليتني لأجله. ثم لما قدّم التوبة، والاستغفار جعلها وسيلة إلى إجابة طلبته، فقال : وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأحَدٍ مّن بَعْدِى قال أبو عبيدة : معنى لا ينبغي لأحد من بعده : لا يكون لأحد من بعدي.
وقيل المعنى : لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني بعد هذه السلبة، أو لا يصح لأحد من بعدي لعظمته، وليس هذا من سؤال نبيّ الله سليمان عليه السلام للدنيا، وملكها، والشرف بين أهلها، بل المراد بسؤاله الملك : أن يتمكن به من إنفاذ أحكام الله سبحانه، والأخذ على يد المتمرّدين من عباده من الجنّ والإنس، ولو لم يكن من المقتضيات لهذا السؤال منه إلا ما رآه عند قعود الشيطان على كرسيه من الأحكام الشيطانية الجارية في عباد الله، وجملة : إِنَّكَ أَنتَ الوهاب تعليل لما قبلها مما طلبه من مغفرة الله له وهبة الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، أي : فإنك كثير الهبات عظيم الموهوبات.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج الفريابي، والحكيم الترمذي، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله : وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً قال : هو الشيطان الذي كان على كرسيه يقضي بين الناس أربعين يوماً، وكان لسليمان امرأة يقال لها : جرادة، وكان بين بعض أهلها، وبين قوم خصومة، فقضى بينهم بالحق إلا أنه ود أن الحق كان لأهلها، فأوحى الله إليه أن سيصيبك بلاء، فكان لا يدري أيأتيه من السماء أم من الأرض ؟ وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، قال السيوطي بسند قوي : عن ابن عباس قال : أراد سليمان أن يدخل الخلاء، فأعطى لجرادة خاتمه، وكانت جرادة امرأته، وكانت أحب نسائه إليه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها : هاتي خاتمي فأعطته، فلما لبسه دانت له الإنس، والجن، والشياطين، فلما خرج سليمان من الخلاء قال : هاتي خاتمي، قالت : قد أعطيته سليمان. قال : أنا سليمان، قالت : كذبت لست سليمان، فجعل لا يأتي أحداً يقول : أنا سليمان إلا كذبه، حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة، فلما رأى ذلك عرف أنه من أمر الله، وقام الشيطان يحكم بين الناس، فلما أراد الله أن يرد على سليمان سلطانه ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان، فأرسلوا إلى نساء سليمان، فقالوا لهن : تنكرن من أمر سليمان شيئاً ؟ قلن : نعم إنه يأتينا، ونحن نحيض، وما كان يأتينا قبل ذلك، فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له ظن أن أمره قد انقطع، فكتبوا كتباً فيها سحر وكفر، فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أثاروها، وقرؤوها على الناس، وقالوا : بهذا كان يظهر سليمان على الناس، ويغلبهم، فأكفر الناس سليمان، فلم يزالوا يكفرونه، وبعث ذلك الشيطان بالخاتم، فطرحه في البحر فتلقته سمكة، فأخذته، وكان سليمان يعمل على شط البحر بالأجر، فجاء رجل، فاشترى سمكاً فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فدعا سليمان، فقال : تحمل لي هذا السمك ؟ قال : نعم، قال : بكم ؟ قال : بسمكة من هذا السمك، فحمل سليمان السمك، ثم انطلق به إلى منزله، فلما انتهى الرجل إلى باب داره أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فأخذها سليمان، فشق بطنها، فإذا الخاتم في جوفها، فأخذه، فلبسه، فلما لبسه دانت له الجنّ، والإنس، والشياطين، وعاد إلى حاله، وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر، فأرسل سليمان في طلبه، وكان شيطاناً مريداً، فجعلوا يطلبونه، ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يوماً نائماً، فجاءوا، فبنوا عليه بنياناً من رصاص، فاستيقظ، فوثب، فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا انماط معه الرصاص، فأخذوه فأوثقوه، وجاءوا به إلى سليمان، فأمر به، فنقر له تخت من رخام، ثم أدخله في جوفه، ثم شدّ بالنحاس، ثم أمر به، فطرح في البحر، فذلك قوله : وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً يعني : الشيطان الذي كان سلط عليه.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً قال : صخر الجني تمثل على كرسيه على صورته. وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إنّ عفريتاً من الجنّ جعل يتفلت عليّ البارحة ؛ ليقطع عليّ صلاتي، وإن الله أمكنني منه، فلقد هممت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا، فتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان : وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأحَدٍ مّن بَعْدِى فردّه الله خاسئاً» وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : فامنن يقول : اعتق من الجنّ من شئت، وأمسك منهم من شئت.