ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦ

المعنى الجملي : بعد أن بالغ في ذكر ما يدل على وجوب الإقبال على طاعته سبحانه والإعراض عن الدنيا- أردف ذلك بيان أنه لا ينتفع بهذا إلا من شرح الله صدره ونور قلبه وأشعر نفسه حب العمل به، ثم أعقبه بذكر أن من أضله الله فلا هادي له، وأن من يتقي بيديه المخاوف صيانة لوجهه عن النار ليس حاله كحال من هو آمن لا يفكر في مآل أمره، وعاقبة عمله، وبعدئذ ذكر أن هؤلاء المشركين ليسوا بدعا في الأمم، فلقد كذب كثير قبلهم، فأتاهم العذاب بغتة من حيث لا يشعرون، فأصيبوا في الدنيا بالذل والصغار والقتل والخسف، ولعذاب الآخرة أشد نكالا ووبالا، ثم ذكر أن القرآن قد ضرب الأمثال للناس بلسان عربي مبين لعلهم يرعوون ويزدجرون.
تفسير المفردات :
شرح الصدر للإسلام : الفرح به والطمأنينة إليه، والنور : البصيرة والهدى، والقسوة : جمود وصلابة في القلب، يقال قل بقاس : أي لا يرق ولا يلين.
الإيضاح :
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه أي : أفمن دخل نور الإسلام قلبه وانشرح صدره له، لما رأى فيه من البدائع والعجائب المهيئة للحكمة، الممهدة لقبول الحق والموصلة إلى الرشاد- كمن طبع على قلبه لغفلته وجهالته ؟ وقد روي أن علامة ذلك الانشراح الإنابة إلى دار الخلوة، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت، قبل حلول الموت.
والخلاصة : هل يستوي من أنار الله بصيرته ومن هو قاسي القلب بعيد من الحق ؟
ونحو الآية قوله : أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ( الأنعام : ١٢٢ ).
قال ابن عباس من شرح الله صدره للإسلام أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال :" تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقلنا يا نبي الله كيف انشراح صدره ؟ قال :" إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح " قلنا : فما علامة ذلك يا رسول الله ؟ قال :" الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت قبل نزول الموت ". وأخرج الترمذي عن ابن عمر : أن رجلا قال : يا رسول الله أي المؤمنين أكيس ؟ قال :" أكثرهم ذكرا للموت، وأحسنهم له استعدادا، وإذا دخل النور في القلب انفسح واستوسع "، فقالوا : ما آية ذلك يا نبي الله ؟ قال :" الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت ".
ثم ذكر ما يدل على المحذوف الذي قدر في الجملة السابقة فقال :
فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أي فالويل أشد الويل لمن قست قلوبهم من أجل ذكر الله الذي من حقه أن تلين منه القلوب، فهم إذا ذكر الله عندهم، وذكرت دلائل قدرته، وبدائع صنعته، اشمأزوا من ذلك وزادت قلوبهم قسوة.
قال مالك بن دينار : ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب، وما غضب الله تعالى على قوم إلا نزع منهم الرحمة. وأخرج الترمذي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي ".
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال الله تعالى اطلبوا الحوائج من السمحاء، فإني جعلت فيهم رحمتي، ولا تطلبوها من القاسية قلوبهم، فإني جعلت فيهم سخطي ".
ثم بين حالهم فقال : أولئك في ضلال مبين أي أولئك القساة القلوب الذين أعمى الله أبصارهم في غواية ظاهرة لكل أحد لا تحتاج إلى عناء في تفهم حقيقتها ومعرفة كنهها.
وبعدئذ وصف القرآن الذي يشرح الصدر ويلين القلب فقال : الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله .


فأمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين٢٢ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد٢٣ أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون٢٤ كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ٢٥فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون٢٦ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون٢٧ قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون ( الزمر : ٢٢-٢٨ ).
المعنى الجملي : بعد أن بالغ في ذكر ما يدل على وجوب الإقبال على طاعته سبحانه والإعراض عن الدنيا- أردف ذلك بيان أنه لا ينتفع بهذا إلا من شرح الله صدره ونور قلبه وأشعر نفسه حب العمل به، ثم أعقبه بذكر أن من أضله الله فلا هادي له، وأن من يتقي بيديه المخاوف صيانة لوجهه عن النار ليس حاله كحال من هو آمن لا يفكر في مآل أمره، وعاقبة عمله، وبعدئذ ذكر أن هؤلاء المشركين ليسوا بدعا في الأمم، فلقد كذب كثير قبلهم، فأتاهم العذاب بغتة من حيث لا يشعرون، فأصيبوا في الدنيا بالذل والصغار والقتل والخسف، ولعذاب الآخرة أشد نكالا ووبالا، ثم ذكر أن القرآن قد ضرب الأمثال للناس بلسان عربي مبين لعلهم يرعوون ويزدجرون.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير