ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦ

التقدير هنا أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ.. كمن ضاق صدره عن الإسلام، إذن: لا بُدَّ أنْ نذكر هذا المقابل لأنهما لا يستويان فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ اللَّهِ.. تدل على أننا أخذنا الضيق من القسوة، فالذي ضاق صدره عن الإسلام ضاق صدره لقسوة قلبه.
وهذه مثل قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ الَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩] والمعنى: أهذا كمَنْ لم يقنت؟ وعليك أنت أنْ تجيب: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، كمَنْ قسا قلبُه وضاق صدره عن دين الله وهداية الله؟
ومعنى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ.. أي: جعل الضيق واسعاً، وتقول لصاحبك: وسّع صدرك يعني: اجعله مُتسعاً لمناقشة كل القضايا، ومن معاني سعة الصدر ألاَّ تشغله بالخزعبلات، وألاَّ تزحمه بالباطل، حتى يكون لك أُنْس به، وعندها يطرد الباطل الحق كما قلنا في مسألة الحيز.
فالحيز الواحد لا يتسع إلا لشيء واحد، فالماء مثلاً يطرد الهواء حين تملأ زجاجة بالماء.
ومن شَرْح الصدر أن يكون لديك عدالة اختيار حين تختار بين البدائل، عليك أن تصفي قلبك، وأن تُخرج منه كل ما يشغله، ثم تبحث القضايا المعروضة عليك، فما وجدته مناسباً تُدخِله قلبك ليستقر فيه حتى يصير عقيدةً راسخة لا تقبل المناقشة مرة أخرى، لأن الله تعالى خلق لنا حواسَّ تدرك: عينٌ ترى، وأذنٌ تسمع، ولسان ينطق.
وبهذا الحواس نأخذ المعلومات. ثم نعرضها على العقل ليختار منها ويبحث فيها، فما وجده صالحاً أسقطه في القلب، وهذه هي العقيدة التي تستقر في القلب، ولا تطفو لتُبحث من جديد.
لذلك احذر الران الذي يترسب على القلب حتى يغلقه، فلا يكون فيه مكان للحق، والنبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى هذه المسألة في حديث أبي ذر -رضي الله عنه- قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" تُعرَض الفتن على القلوب كالحصير عُوداً عُوداً -وفي رواية: عَوْذاً عَوْذاً- فأيما قلب أُشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نُكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تكون على قلبين: على أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرباداً -وهذا الذي يقول الله فيه: كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]- كالكوز مُجخياً -منكوساً- لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً".
والفتن هنا هي الشُّبَه التي تعرض للناس في الدين، والرسول صلى الله عليه وسلم يشبهها بالحصير الذي يُنسج عوداً بجوار عود، حتى يكون كالحصيرة التي نجلس عليها، أو عَوْذاً يعني: نستعيذ بالله من هذه الفتن، أو عوْداً أي مرة بعد مرة.
إذن: إنْ أردتَ بحث قضية الإيمان فاشرح صدرك أولاً، ووسِّعه بأنْ تُخرج ما فيه من اعتقادات، لذلك يقول سبحانه: أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ.. والنور له مصادر، إما نور مادي كالشمس والقمر والنجوم، وهذه الأنوار التي اكتشفها الإنسان حديثاً، أو نور معنوي وهو المقصود هنا، نور القيم والمنهج فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ.. أي: نور الهداية الذي عناه القرآن الكريم في قوله: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ.. [النور: ٣٦-٣٧]...
فالحق سبحانه أعطاكم النور الحسيِّ الذي يعينكم على حركة الحياة، ليرى الإنسانُ مواضع قدمه فلا يحطم الأشياء ولا تحطمه إذا ما اصطدم بها، والنور المعنوي للقيم وللروح...
وقوله سبحانه: فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ويل لهم لأن قسوة قلوبهم حالتْ بينهم وبين الإيمان، فويل لهم ساعةَ يعرفون أن لهم ربّاً كفروا به، وتفاجئهم هذه الحقيقة التي طالما أنكروها.
وقد عبَّر القرآن الكريم عن هذه القضية في قوله سبحانه: مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ.. [إبراهيم: ١٨].
والمعنى: أنهم حبطت أعمالهم وخاب سعيهم.
وقال أيضاً: وَالَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور: ٣٩].
فويل لهم ساعة يعرفون أنهم كفروا بالله وضاق صدرهم عن أن يتسع لنور الإيمان، فالويْل لهم حاضر قبل أنْ يأتيهم العقاب.
وقوله: أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ أي: بيِّن واضح، والضلال هو عدم الاهتداء في المهيع الذي يسير فيه، كالسائر مثلاً في صحراء وضلَّ فيها الطريق، إن ضلاله يبدأ بانحرافه عن الطريق الصحيح ولو بسنتيمترات، لأنها لا بدّ أنْ تنتهي به إلى مساحات شاسعة في الضلال... فالمعنى: أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ أي: لا يهتدون إلى شيء أبداً.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير