ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦ

ثم لما ذكر سبحانه أن في ذلك لذكرى لأولي الألباب، ذكر شرح الصدر للإسلام، لأن الانتفاع الكامل لا يحصل إلا به، فقال : أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام أي وسعه لقبول الحقّ، وفتحه للاهتداء إلى سبيل الخير. قال السدّي : وسع صدره للإسلام للفرح به، والطمأنينة إليه، والكلام في الهمزة، والفاء كما تقدم في : أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب [ الزمر : ١٩ ]، ومن مبتدأ وخبرها محذوف تقديره كمن قسا قلبه، وحرج صدره، ودلّ على هذا الخبر المحذوف قوله : فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ والمعنى : أفمن وسع الله صدره للإسلام فقبله، واهتدى بهديه فَهُوَ بسبب ذلك الشرح على نُورٍ مّن رَّبّهِ يفيض عليه كمن قسا قلبه لسوء اختياره، فصار في ظلمات الضلالة، وبليات الجهالة. قال قتادة : النور كتاب الله به يؤخذ، وإليه ينتهي. قال الزجاج : تقدير الآية : أفمن شرح الله صدره كمن طبع على قلبه، فلم يهتد لقسوته فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ الله قال الفراء والزجاج : أي عن ذكر الله كما تقول : أتخمت عن طعام أكلته، ومن طعام أكلته، والمعنى أنه غلظ قلبه، وجفا عن قبول ذكر الله، يقال : قسا القلب إذا صلب، وقلب قاس، أي صلب لا يرقّ ولا يلين. وقيل : معنى من ذكر الله من أجل ذكره الذي حقه أن تنشرح له الصدور، وتطمئن به القلوب. والمعنى : أنه إذا ذكر الله اشمأزوا، والأول أولى، ويؤيده قراءة من قرأ عن ذكر الله، والإشارة بقوله : أولئك إلى القاسية قلوبهم، وهو مبتدأ، وخبره فِي ضلال مُّبِينٍ أي ظاهر واضح.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء الآية. قال : ما في الأرض ماء إلا نزل من السماء، ولكن عروق في الأرض تغيره، فذلك قوله : فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض فمن سرّه أن يعود الملح عذباً فليصعده. وأخرج ابن مردويه عنه في قوله : أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام قال : أبو بكر الصديق. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ قلنا : يا نبيّ الله كيف انشراح صدره ؟ قال :«إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح» قلنا : فما علامة ذلك يا رسول الله ؟ فقال :«الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت قبل نزول الموت». وأخرجه ابن مردويه عن محمد بن كعب القرظي مرفوعاً مرسلاً. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عمر : أن رجلاً قال : يا نبيّ الله أي المؤمنين أكيس ؟ قال :«أكثرهم ذكراً للموت وأحسنهم له استعداداً، وإذا دخل النور في القلب انفسح واستوسع» فقالوا : ما آية ذلك يا نبيّ الله ؟ قال :«الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت» وأخرجه عن أبي جعفر عبد الله بن المسور، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه وزاد فيه ثم قرأ :« أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام فَهُوَ على نُورٍ مّن رَّبّهِ ».
وأخرج الترمذي، وابن مروديه، وابن شاهين في الترغيب في الذكر، والبيهقي في الشعب عن ابن عمر قال : قال رسول الله :«لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي» وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : قالوا يا رسول الله لو حدّثتنا، فنزل : الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث الآية». وأخرج ابن مردويه عنه في قوله : مَّثَانِيَ قال : القرآن كله مثاني. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال : القرآن يشبه بعضه بعضاً، ويردّ بعضه إلى بعض. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال : كتاب الله مثاني ثني فيه الأمر مراراً. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن عساكر عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال : قلت لجدّتي أسماء كيف كان يصنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرؤوا القرآن ؟ قالت : كانوا كما نعتهم الله تدمع أعينهم، وتقشعرّ جلودهم، قلت : فإن ناساً هاهنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية، قالت : أعوذ بالله من الشيطان. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوء العذاب قال : ينطلق به إلى النار مكتوفاً، ثم يرمى به فيها، فأوّل ما تمسّ وجهه النار.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية