قوله : فَإنْ أَعْرَضُوا عن الاستجابة ولم يقبلوا هذا الأمر فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً بأن تحفظ أعمالهم وتُحْصِيهَا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغ أي ما عليك إلا البلاغ، وذلك تسلية من الله تعالى له. ثم بين السبب في إصرارهم على الكفر فقال : وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً قال ابن عباس ( رضي الله عنهما )١ يعني الغنى والصحة «فرح بها ».
واعلم أن نعم الله وإن كانت في الدنيا عظيمة إلا أنها بالنسبة إلى سعادات الآخرة كالقطرة بالنسبة إلى البحر، فلذلك سميت ذوقاً. فبين ( الله ) تعالى أن الإنسان إذا حصل له هذا القدر الحقير في الدنيا فرح به وعظم غروره، ووقع في العجب والكبر، ويظن أنه فاز بكل المنى، ووصل إلى أقصى السعادات، وهذه طريقة من ضعف اعتقاده في سعادات الآخرة.
ثم إنه تعالى بين أنه متى أصابهم سيئة أي شيء يسوءهم في الحال كالمرض والفقر والقحط وغيرها فإنه يظهر الكفر٢ وهو ( معنى ) قوله : فَإِنَّ الإنسان كَفُورٌ ، والكفور : هو المبالغ في الكفران والمراد بقوله : كفور أي لما تقدم من نعمة الله عليه ينسى ويجحد بأول شدة٣ جميع ما سلف من النِّعم.
وقوله : فإنَّ الإنسان من وقوع الظاهر موقع المضمر أي فإنه كفور. وقدر أبو البقاء : ضميراً محذوفاً فقال٤ فإن الإنسان ( منهم )٥
٢ في ب الكفران..
٣ في النسختين: شديدة، وانظر في هذا تفسير الرازي ٢٧/١٨٣ والبغوي ٦/١٢٨..
٤ في ب فقدر وفي أ فصار وفي السمين فقال..
٥ سقط من ب وانظر التبيان ١١٣٥..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود