الحق سبحانه يتكلم هنا عن ملكيته تعالى للسماوات وللأرض كظرف للأشياء، وفي أول السورة تكلم عن ملكيته تعالى لما في السماوات وما في الأرض، فقال: لَهُ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ العَظِيمُ [الشورى: ٤].
إذن: لله تعالى مُلْك السماوات والأرض وما فيهما من شيء، وهذا الأسلوب
لَهُ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [الشورى: ٤] و لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ.. [الشورى: ٤٩] يُسمى أسلوب قَصْر، حيث قدّم الجار والمجرور على المبتدأ لإفادة القصر، فالمعنى: لله وحده ما في السماوات وما في الأرض مقصور عليه، ولله وحده مُلْك السماوات والأرض، فالمِلكية هنا ليس لها شريكٌ ولا منازعٌ.
ومادة (م ل ك) تُنطق فيها الميم على وجوه ثلاثة: الفتح والضم والكسر، كلمة ملك بالكسر هو كل ما في حوزتك وتتصرَّف فيه، وبالضم وهو التصرّف في ملك مَنْ يملك، وهو المعروف في نظام المملكة، وبالفتح مثل قوله تعالى: مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا.. [طه: ٨٧] يعني: غصْباً عنا وبغير إرادتنا.
أما اللام في ملك فتأتي أيضاً بالكسر مِلك، وهو مَنْ يُملَّك في غيره في تصرفه وفي إرادته، وبالفتح ملَك وهو المخلوق الأعلى من الملائكة. ومِلاَك الأمر. يعني؛ جوهره وحقيقته.
وقوله تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ.. [الشورى: ٤٩] يعني: هو صاحبها وهو خالقها ومُبدعها، لأنك قد تملك ما لا تعمل.
يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ [الشورى: ٤٩] يعني: خلقه وفق إرادته ومشيئته هو، وله طلاقة القدرة في مسألة الخلق لا يعجزه فيها شيء ولا يستعصي عليه أمر.
لذلك يعطينا الدليل على ذلك من واقع حياتنا المشَاهد في المجتمع وكلنا يعرفه، اقرأ: يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً.. [الشورى: ٤٩-٥٠] أولاً لاحظ أن هذه المسألة هبة من الله الخالق سبحانه يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ [الشورى: ٤٩] يعني: ليستْ حقاً لأحد، وليست حقاً لكل مَنْ ملَك أسبابها، فقد تتوافر الحياة الزوجية ولا يأتي لها ثمرة إنجاب ويُبتلَى الزوجان بالعقم وهو أيضاً هبة من الله.
والذي يرضى بهذه الهبة ويؤمن أنها من الله يُعوِّضه الله ويرى من أولاد الآخرين من البر ما لا يراه الآباء، ويتمتع بهذا البر دون تعب ودون مشقة في تربية هؤلاء الأولاد، وفي واقع حياتنا قد يأتي الابن ويكون عاقاً لوالديه.
ثم تلاحظ أن الحق سبحانه قدّم الإناث على الذكور يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ [الشورى: ٤٩] لماذا؟ لأن الإناث كان النوعَ المبغوض غير المرغوب فيه في الجاهلية وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ [النحل: ٥٨-٥٩].
ولم ينته الأمر عند حَدِّ الكراهية للبنات، بل تعدَّاه إلى قتلهن ووأدهن كما قال سبحانه: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ [التكوير: ٨-٩] ذلك لأن البنت ضعيفة لا تَقْوى على العمل ولا تشارك قومها في حروبهم المستمرة، وهي عِرْض ينبغي المحافظة عليه.
فلما جاء الإسلام غيَّر هذه الصورة تماماً، ورفع من شأن الأنثى، وجعل النساء شقائق الرجال؛ لذلك قدَّم هنا الإناث على الذكور يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ [الشورى: ٤٩] ورقَّق قلوب هؤلاء الغلاظ نحو الأنثى، وحبَّبهم فيها وعلّمهم أنها وعاؤكم الذي خرجتم منه، فهي صاحبة فضل على كل ذكَر.
علَّمهم أن الأنثى لا يستقيم أمرها في مجتمعها إلا حين تُرْعى ويحافظ عليها ويهتم بها وليُّها؛ لأن كراهية الأنثى تحملها على الاعوجاج وتُرغمها على التخلِّي عن دورها، فالبنت حين يحبها أهلها ويكرمونها ويحنُّون عليها تتعود على الكرامة وعزة النفس ولا تقبل الإهانة من أحد، لأنها شبَّت على أنها غالية عند أهلها عزيزة لديهم، فلا يجرؤ أحد على التعدِّي عليها ولو بكلمة.
على خلاف البنت التي هانت على أهلها، وشبَّت بينهم على مشاعر الكراهية والاحتقار، فنراها تهون على نفسها، ونراها رخيصة تفرط في كرامتها وتستميلها ولو بكلمة.
تفسير الشعراوي
الشعراوي