إِلَّا الْبَلاغُ
وقد بلّغت تعليل لقوله ما أرسلناك عليهم حفيظا وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ أراد به الجنس مِنَّا رَحْمَةً اى نعمة فى الدنيا قال ابن عباس يعنى الغناء والصحة فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ من القحط او الفقر او المرض بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ اى بسبب معاصيهم التي قدموه وعبر بالأيدي لان اكثر الافعال بها فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (٤٨) بليغ الكفران لما تقدم من نعم الله عليه ينسى ويجحد باقل شىء من الشدة جميع ما أسلف عليه من النعم ويذكر البليّة ويعظّمها ولا يتامل فى سببها- وهذا الحكم وان اختص بالمجرمين جاز اسناده الى الجنس لغلبتهم واندراجهم فيه وتصدير الشرطية الاولى بإذا والثانية بان لان اذاقة النعمة محققة من حيث انها عادة الله تعالى يقتضيه رحمته الذاتية بخلاف إصابة البليّة وأقيم علة الجزاء مقامه ووضع الظاهر موضع الضمير فى الثانية للدلالة على ان هذا الجنس موسوم بكفران النعمة.
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فله التصرف فيها كيف يشاء من انعام وانتقام الجملة متصلة بقوله ومن آياته الجوار يَخْلُقُ ما يَشاءُ تعليل لما سبق وقوله يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً الاية قيل بيان للخلق يعنى يهب لبعض الناس أنثى لا يكون له ولد ذكر قيل من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر لان الله تعالى بدا بالإناث وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) فلا يكون له أنثى.
أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً فيجمع له بينهما فيولد له الذكور والإناث وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً فلا يولد له وقيل الجملة بدل من يخلق بدل البعض إِنَّهُ عَلِيمٌ بما يخلق قَدِيرٌ (٥٠) على ما يشاء فيفعل بحكمته واختياره.
قال البغوي قالت اليهود للنبى ﷺ الا تكلم الله وتنظر اليه ان كنت نبيّا كما كلمه موسى ونظر اليه فقال لم تنظر موسى الى الله عزّ وجلّ فانزل الله تعالى.
وَما كانَ لِبَشَرٍ اى ما صح له أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً وحيا وما عطف عليه منصوب على المصدرية لأن من وراء حجاب صفة كلام محذوف والإرسال نوع من الكلام وهو ما كان بتوسط الرسول وجاز ان يكون منصوبا على الحال ويكون المصدر بمعنى المفعول تقديره الا موحى
او مستمعا من وراء حجاب او مرسلا والوحى فى اللغة الاشارة السريعة والمراد هاهنا كلاما خفيا غير مركب من حروف مقطعة متعاقبة يلقيه تعالى فى قلب النبي ﷺ فى المنام او اليقظة ويعبر عنه بالإلهام وهو تعم المشافهة به كما روى فى حديث المعراج وما وعد به فى حديث الرؤية فى الاخرة والمهتف به كما اتفق لموسى على طوى والطور لكن قوله أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ يخصه بالأول فالاية دليل على جواز الرؤية لا على امتناعها قلت لكن ما ذكر البغوي فى شأن نزول الاية يدل على نفى النظر الى الله عند الوحى فى الدنيا فالمراد بالوحى هاهنا إلقاء كلام بسيط فى القلب وبقوله من وراء حجاب كلام مسموع بلا توسط الملك بغير معائنة كما اتفق لموسى فى طوى والطور كذا قال البغوي أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا اما جبرئيل او غيره من الملائكة فَيُوحِيَ ذلك الرسول الى المرسل اليه بِإِذْنِهِ اى بإذن الله ما يَشاءُ قرأ الجمهور يرسل فيوحى بالنصب عطفا على وحيا بتقدير ان المصدرية وقرأ نافع بضم اللام وسكون الياء رفعا على الاستئناف فتكلم الله حينئذ ينحصر فيما كان بلا واسطة الملك ويقابله إرساله الملك بكلامه الى الأنبياء عن عائشة رضى الله عنها قالت ان الحارث بن هشام سال رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحى فقال رسول الله ﷺ أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشد علىّ فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمنى فاعى ما يقول- قالت عائشة ولقد رايته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه لينفصد عرقا- متفق عليه وعن عبادة بن الصامت قال كان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحى كرب لذلك وتربد وجهه رواه مسلم وعن ابن عباس قال اقام رسول بمكة خمس عشر سنة يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئا وثمان سنين يوحى اليه واقام بالمدينة عشرا وتوفى وهو ابن خمس وستين سنة- متفق عليه وعن عائشة قالت أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم الحديث- متفق
صفحة رقم 333التفسير المظهري
القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري
غلام نبي تونسي