قال البغوي : قالت اليهود للنبي صلى الله عليه و سلم ألا تكلم الله و تنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى و نظر إليه فقال لم ينظر موسى إلى الله عز وجل فأنزل الله تعالى و ما كان لبشر أي ما صح له أن يكلمه الله إلا وحيا وحيا وما عطف عليه منصوب على المصدرية لأن من وراء حجاب صفة كلام محذوف والإرسال نوع من الكلام و هو ما كان بتوسط الرسول و جاز أن يكون منصوبا على الحال و يكون المصدر بمعنى المفعول تقديره إلا موحي أو مستمعا من وراء حجاب أو مرسلا و الوحي في اللغة الإشارة السريعة، و المراد هاهنا كلاما خفيا غير مركب من حروف مقطعة متعاقبة يلقيه تعالى في قلب النبي صلى الله عليه و سلم المنام أو اليقظة و يعبر عنه بالإلهام و هو تعم المشافهة به كما روى في حديث المعراج و ما وعد به في حديث الرؤية في الآخرة و المهتف به كما اتفق لموسى على طوى و الطور لكن قوله أو من وراء حجاب يخصه بالأول فالآية دليل على جواز الرؤية لا على امتناعها، قلت : لكن ما ذكر البغوي في شأن نزول الآية يدل على نفي النظر إلى الله عند الوحي في الدنيا فالمراد بالوحي هاهنا إلقاء كلام بسيط في القلب و بقوله من وراء حجاب كلام مسموع بلا توسط الملك بغير معاينة كما أتفق لموسى في طوى و الطور كذا قال البغوي أو يرسل رسولا إما جبرئيل أو غيره من الملائكة فيوحى ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذنه أي بإذن الله ما يشاء قرأ الجمهور يرسل فيوحى بالنصب عطفا على وحيا بتقدير أن المصدرية و قرأ نافع بضم اللام و سكون الياء رفعا على الاستئناف فتكلم الله حينئذ ينحصر فيما كان بلا واسطة الملك و يقابله إرساله الملك بكلامه إلى الأنبياء.
عن عائشة رضي الله عنها قالت إن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم :" أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس و هو أشد علي فيفصم عني و قد وعيت عنه ما قال و أحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول، قالت عائشة و لقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه و إن جبينه ليتفصد عرقا " ١ متفق عليه، وعن عبادة بن الصامت قال كان النبي صلى الله عليه و سلم " إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك و تربد وجهه " ٢ رواه مسلم، و عن ابن عباس قال :" أقام رسول الله بمكة خمس عشر سنة يسمع الصوت و يرى الضوء سبع سنين و لا يرى شيئا و ثمان سنين يوحى إليه و أقام بالمدينة عشرا و توفي و هو ابن خمس و ستين سنة " متفق عليه، و عن عائشة قالت : أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه و سلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم " الحديث متفق عليه، إنه علي عن صفات المخلوقين حكيم يفعل ما يقتضيه حكمته فتكلم تارة بغير وسيط و تارة بوسيط.
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الحدود، باب: حد الزنا ١٦٩٠..
التفسير المظهري
المظهري