ثم قرر عظمة ملكه، فقال :
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ * وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ .
يقول الحق جلّ جلاله : وما كان لبشرٍ أي : ما صحّ لأحد من البشر أن يُكلمه اللهُ بوجه من الوجوه إِلا وَحْياً إلهاماً، كقوله عليه الصلاة السلام :" ألقي في رُوعي١ " أو : رؤيا في المنام لقوله صلى الله عليه وسلم :" رؤيا الأنبياء وحي٢ " كأمر إبراهيم عليه السلام بذبح الولد، وكما أوحي إلى أم موسى، رُوي عن مجاهد :" أَوحى اللهُ الزبورَ إلى داود عليه السلام في صدره ". أو من وراءِ حجابٍ بأن يسمع كلاماً من الله، من غير رؤية السامع مَن يكلمه، كما سمع موسى عليه السلام من الشجرة، ومن الفضاء في جبل الطور، وليس المراد به حجاب الله تعالى على عبده حساً ؛ إذ لا حجاب بينه وبين خلقه حساً، وإنما المراد : المنع من رؤية الذات بلا واسطة.
أو يُرسلَ رسولاً أو : بأن يرسل مَلَكاً فيُوحيَ الملَكُ بإِذنه ؛ بإذن الله تعالى وتيسيره ما يشاءُ من الوحي. وهذا هو الذي يجري بينه تعالى وبين أنبيائه في عامة الأوقات. روي : أن اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : ألا تكلم الله، وتنظر إليه إن كنت نبياً، كما كلمه موسى، ونظر إليه ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :" لم ينظر موسى إلى الله تعالى " فنزلت. والذي عليه جمهور المحققين أن نبينا عليه الصلاة والسلام رأى ربه ليلة المعراج، وكلّمه مشافهة، وعليه حمل البيضاوي قوله تعالى : إِلا وحياً ؛ لأن الوحي هو : الكلام الخفي، المدرك بسرعة، أعم من أن يكون مشافهة أو غيرها.
قال الطيبي : وإذا حمل الوحي على ما قاله البيضاوي، وأنه المشافهة، المعنى بقوله :
فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى [ النجم : ١٠ ] اتجه ترتيب الآية، وأنه ذكر أولاً الكلام بلا واسطة، بل مشافهة، وهو حال نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر ما كان بغير واسطة، ولكن لا بمشافهة، بل من وراء الغيب، ثم ذكر الكلام بواسطة الإرسال٣. ه. بالمعنى.
إِنه عَلِيٌّ ؛ متعال عن صفات المخلوقين، لا يتأتى جريان المفاوضة بينه تعالى وبينهم إلا بأحد الوجوه المذكورة، ولا تكون المكافحة إلا بالغيبة عن حس البشرية، حيكمٌ يُجري أفعاله على سنن الحكمة، فيكلم تارة بواسطة، وأخرى بدونها، مكافحة، أو غيرها.
وقوله تعالى : وإِنك لَتَهدي إِلى صراط مستقيم أي : طريق الوصول والترقي أبداً، فيؤخذ منه : أن وساطته صلى الله عليه وسلم لا تنقطع عن المريد أبداً ؛ لأن الترقي يكون باستعمال أدب العبودية، وهي مأخوذة عنه صلى الله عليه وسلم، وكما أن الترقي لا ينقطع ؛ فالأدب الذي هو سلوك طريقته صلى الله عليه وسلم لا ينقطع. والله تعالى أعلم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
٢ أخرجه البخاري في الوضوء حديث ١٣٨..
٣ في هامش النسخة الأساسية ما يلي: وعلى كلام البيضاوي يختل نظام القرآن المعجز ببلاغته، إذ معناه: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا كلاما مواجهة أو من وراء حجاب... الخ، وهذا غير معقول صدوره من بلغاء البشر، فضلا عن كلام الله، فأعجب للطيبي وللمؤلف، وكل من أمره على هذا المعنى المختل. هـ..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي