يتحدث كتاب الله في مطلع هذا الربع عن مقامات الوحي الذي يتلقاه الأنبياء والرسل عن الله عز وجل، وقد ثبت في كتب السنة النبوية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تلقى الوحي عن ربه من أربعة طرق :
الطريق الأول : أن يلقي الملك في روعه وقلبه ما يوحى إليه، من غير أن يرى الملك، كما جاء في صحيح ابن حبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ).
الطريق الثاني أن يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس، وكان هذا النوع هو أشد أنواع الوحي عليه، حتى أن جبينه ليتفصد عرقا في اليوم الشديد البرد.
الطريق الثالث : أن يتمثل له الملك رجلا فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول.
الطريق الرابع : أن يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحي إليه ما يشاء الله أن يوحيه. قال ابن القيم في كتابه ( زاد المعاد ) :( وقد وقع هذا له مرتين، وورد ذكره في سورة النجم ).
وهذا الموضوع موضوع الوحي من الله إلى أنبيائه ورسله هو ما تضمنه قوله تعالى في هذا الربع : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا، أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء، إنه علي حكيم( ٥١ ) ،
فقوله تعالى : إلا وحيا يندرج تحته الطريق الأول والطريق الثاني للوحي، كما عرفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى : أو من وراء حجاب ، يندرج تحته ما أوحاه الله إلى موسى الكليم، بعد تكليمه وحجبه عن الرؤية، رغما عن سؤاله لها.
وقوله تعالى : أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء يندرج تحته الطريق الثالث والطريق الرابع للوحي، كما وصفهما الرسول عليه السلام، وكما وقع لكثير من الأنبياء والرسل، حيث نزل عليهم بالوحي جبريل وغيره من الملائكة المقربين، بإذن الله العلي الحكيم.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري