وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أي ما صح لفرد من أفراد البشر أن يكلمه الله بوجه من الوجوه إلاّ بأن يوحي إليه فيلهمه، ويقذف ذلك في قلبه قال مجاهد : نفث ينفث في قلبه، فيكون إلهاماً منه كما أوحى إلى أمّ موسى، وإلى إبراهيم في ذبح ولده أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ كما كلم موسى، يريد أن كلامه يسمع من حيث لا يرى، وهو : تمثيل بحال الملك المحتجب الذي يكلم خواصه من وراء حجاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء أي يرسل ملكاً، فيوحي ذلك الملك إلى الرّسول من البشر بأمر الله، وتيسيره ما يشاء أن يوحى إليه. قال الزجاج : المعنى أن كلام الله للبشر : إما أن يكون بإلهام يلهمهم، أو يكلمهم من وراء حجاب كما كلم موسى، أو برسالة ملك إليهم. وتقدير الكلام : ما كان لبشر أن يكلمه الله إلاّ أن يوحي وحياً، أو يكلمه من وراء حجاب، أو يرسل رسولاً. ومن قرأ :" يرسل " رفعاً أراد : وهو يرسل، فهو ابتداء، واستئناف. انتهى. قرأ الجمهور بنصب : أَوْ يُرْسِلَ ، وبنصب : فَيُوحِىَ على تقدير أن، وتكون أن، وما دخلت عليه معطوفين على وحياً، ووحياً في محلّ الحال، والتقدير : إلاّ موحياً، أو مرسلاً، ولا يصح عطف، أو يرسل على أن يكلمه لأنه يصير التقدير : وما كان لبشر أن يرسل الله رسولاً، وهو فاسد لفظاً، ومعنى. وقد قيل : في توجيه قراءة الجمهور غير هذا مما لا يخلو عن ضعف. وقرأ نافع : أو يرسل بالرفع، وكذلك : فيوحى بإسكان الياء على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير : أو هو يرسل كما قال الزجاج، وغيره، وجملة : إِنَّهُ عَلِىٌّ حَكِيمٌ تعليل لما قبلها، أي : متعال عن صفات النقص، حكيم في كل أحكامه.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني