تفسير المفردات : لتستووا على ظهوره : أي لتستقروا عليها، سخر : ذلل، مقرنين : أي مطيقين، قال قطرب وأنشد قول عمرو بن معديكرب :
لقد علم القبائل ما عقيل لنا في النائبات بمقرنينا
وقول الآخر :
ركبتم صعبتي أشر وحيف ولستم للصعاب بمقرنينا
المعنى الجملي : بعد أن ذكر أن المشركين منهمكون في كفرهم وإعراضهم عما جاء به القرآن من توحيد الله والبعث – أبان هنا أن أفعالهم تخالف أقوالهم، فإن سألتهم عن الخالق لهذا الكون من سمائه وأرضه ليقولن : الله، وهم مع اعترافهم به يعبدون الأوثان والأصنام، ثم ذكر سبحانه جليل أوصافه، فأرشد إلى أنه هو الذي جعل الأرض فراشا، وجعل فيها طرقا، لتهتدوا بها في سيركم، ونزل من السماء ماء بقدر الحاجة يكفي زرع النبات وسقي الحيوان، وخلق أصناف المخلوقات جميعا من حيوان ونبات، وسخر لكم السفن والدواب لتركبوها وتشكروا الله على ما آتاكم، وتقولوا : لولا لطف الله بنا ما كنا لذلك بمطيقين، وإنا يوم القيامة إلى ربنا راجعون، فيجازي كل نفس بما كسبت، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
الإيضاح : لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين أي لكي تستووا على ظهور ما تركبون من الفلك والأنعام، ثم تذكروا نعمة ربكم الذي أنعم به عليكم، فتعظموه وتمجدوه وتقولوا تنزيها له عما يصفه المشركون : سبحان الذي سخر لنا هذا الذي ركبناه، وما كنا لولا تسخيره وتذليله بمطيقين ذلك، فالأنعام مع قوتها ذللها للإنسان ينتفع بها حيث شاء وكيفما أراد، ولولا ذلك ما استطاع الانتفاع بها، ولقد أشار إلى نحو من هذا العباس ابن مرداس فقال في وصف الجمل :
وتضربه الوليدة بالهراوى فلا غير لديه ولا نكير
واعلم أنه سبحانه عين ذكرا خاصا حين ركوب السفينة وهو قوله : بسم الله مجراها ومرساها ( هود : ٤١ )وذكرا آخر حين ركوب الأنعام وهو قوله : سبحان الذي سخر لنا هذا
وذكرا ثالثا حين دخول المنازل وهو قوله : رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ( المؤمنون : ٢٩ ).
أخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر ركب راحلته ثم كبر ثلاثا ثم قال : سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين .
قال القرطبي : علمنا سبحانه وتعالى ما نقول إذا ركبنا الدواب، وعرفنا في آية أخرى على لسان نوح عليه السلام ما نقول إذا ركبنا السفن، فكم من راكب دابة عثرت به أو شمست أو تقحمت أو طاح عن ظهرها فهلك، وكم من راكب سفينة انكسرت به فغرق.
فلما كان الركوب مباشرة أمر محظور، واتصالا بسبب من أسباب التلف، أمر ألا ينسى عند اتصاله به موته وأنه هالك لا محالة فمنقلب إلى الله عز وجل غير منفلت من قضائه، ولا يدع ذكر ذلك بقلبه ولسانه حتى يكون مستعدا للقاء الله، والحذر من أن يكون ركوبه ذلك من أسباب موته في علم الله وهو غافل عنه اه.
تفسير المراغي
المراغي