ثم لما نادى ربه بهذا أجابه بقوله : فاصفح عَنْهُمْ أي أعرض عن دعوتهم وَقُلْ سلام أي أمري تسليم منكم، ومتاركة لكم. قال عطاء : يريد مداراة حتى ينزل حكمي، ومعناه : المتاركة كقوله : سلام عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى الجاهلين [ القصص : ٥٥ ]. وقال قتادة : أمره بالصفح عنهم، ثم أمره بقتالهم، فصار الصفح منسوخاً بالسيف، وقيل : هي محكمة لم تنسخ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ فيه تهديد شديد، ووعيد عظيم من الله عزّ وجلّ. قرأ الجمهور يعلمون بالتحتية، وقرأ نافع وابن عامر بالفوقية. قال الفراء : إن سلام مرفوع بإضمار عليكم.
وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن عباس في قوله : وَنَادَوْاْ يا مالك قال : يمكث عنهم ألف سنة، ثم يجيبهم إِنَّكُمْ ماكثون . وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال : بينا ثلاثة بين الكعبة وأستارها، قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، فقال واحد منهم : ترون أن الله يسمع كلامنا ؟ فقال واحد منهم : إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع، فنزلت أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ونجواهم الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ يقول : إن يكن للرحمن ولد فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين قال : الشاهدين. وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في قوله : إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ قال : هذا معروف من كلام العرب إن كان هذا الأمر قط، أي ما كان. وأخرج ابن جرير عن قتادة نحوه.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني