وليس فيها جديد إلا أمر الله لموسى أن يترك البحر رهوا ليدخله فرعون وقومه على أثرهم. وهذا ليس واردا في سفر الخروج ولكن نعتقد أنه مما كان يرويه اليهود نقلا عن قراطيس كانت في أيديهم مثل سائر النقاط التي وردت في القرآن، ولم ترد في الأسفار المتداولة من قصص موسى وفرعون. ويلحظ أن الآيات هنا لم تذكر بني إسرائيل كورثة لفرعون وقومه مع أن ذلك ذكر في سورتي الشعراء والأعراف. ومع ذلك فالعبارة كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ( ٢٨ ) لا تنقض ذلك كما هو المتبادر. والعبرة في الآيات هي تقرير كون الله قادرا على أن يفعل بكفار العرب ما فعله بفرعون وقومه الذين كانوا أقوى وأعظم منهم وأن يلطف بالمؤمنين فيجعلهم ورثة لهم يرثون ما هم فيه من أسباب الغنى والحياة الناعمة ووسائلها، ويختارهم على العالمين بدورهم مثل ما كان من لطفه ببني إسرائيل.
تعليق على آية
وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ( ٣٢ )
وجمهور المفسرين على أن الْعَالَمِينَ ( ٣٢ ) في الجملة وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ( ٣٢ ) تعني أهل زمانهم ولا تعني أهل الأرض في كل زمن١. وهذا هو المعقول ؛ لأن الله جعل العرب الذين آمنوا برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو كل من آمن برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إطلاقا خير أمة أخرجت للناس كما جاء في الآية [ ١١٠ ] من سورة آل عمران : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون
وهذه الآية تعلل هذه الخيرية بالإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقياسا على ذلك فإن خيرية بني إسرائيل إنما كانت على أهل زمانهم بسبب استجابتهم لدعوة موسى عليه السلام وإيمانهم بالله وحده والتزامهم شرائعه. ولا يتسق مع روح التلقين القرآني هأهل
ولا مع حكمة الله أن يدوم حكم الخيرية لهم حينما انحرفوا عن عبادة الله إلى عبادة العجل والبعل وانحرفوا عن شرائع الله واقترفوا الفواحش والموبقات، وحرفوا كتب الله وكلامه عن مواضعه وافتروا على الله الكذب ونسبوا إليه ما ليس منه في حياة موسى وبعده على ما سجلته عليهم أسفار عديدة من أسفار العهد القديم٢ وآيات كثيرة من القرآن الكريم٣ وعلى ما نبهنا عليه في سياق تفسير الآية [ ١٣٧ ] من سورة الأعراف.
تعليق على جملة
فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ
ومع أن المتبادر أن جملة فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ هي من قبيل المجاز والتمثيل والمبالغة في التبكيت والتهكم عليهم، وتهوين شأنهم عن الله رغم ما كانوا عليه من قوة وترف، وهو ما قاله الزمخشري في الكشاف فإن المفسرين أوردوا أحاديث تبدو لنا غريبة ؛ لأنها في صدد بيان كون بكاء السماء والأرض حقيقة، وكونهما تبكيان على المؤمنين حين موتهم. من ذلك٤ حديث رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء فيه :( ما من عبد إلا وله في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل منه عمله وكلامه، فإذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا الآية فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ ذكر أنهم لم يكونوا عملوا على الأرض عملا صالحا يبكي عليهم ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب ولا عمل صالح فتفقدهم فتبكي عليهم ). ومن ذلك حديث عن ابن عبيد الحصري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، ألا لا غربة على مؤمن، ما مات مؤمن في غربة غابت عنه بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض، ثم قرأ : فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ ثم قال إنهما لا تبكيان على الكافر ). ومن ذلك حديث عن عباد بن عبد الله أن رجلا سأل علي بن أبي طالب : هل تبكي السماء والأرض على أحد ؟ فقال :( إنه ليس من عبد إلا له مصلى في الأرض ومصعد عمله من السماء وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا عمل يصعد إلى السماء ثم قرأ : فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ ( ٢٩ ) . ومن ذلك حديث روي عن سعيد بن جبير قال : سأل رجل ابن عباس : هل تبكي السماء والأرض على أحد ؟ فقال : نعم، إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء ينزل منه رزقه، فإن فقده بكى عليه، وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله عز وجل فيها بكت عليه وإن قوم فرعون لم تكن لهم في الأرض آثار صالحة ولم يكن يصعد إلى الله عز وجل منهم خير فلم تبك عليهم السماء والأرض ). وحديث آخر عن ابن عباس أيضا جوابا على سؤال جاء فيه :( أتعجب، وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمر بالركوع والسجود، وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل ). وحديث عن مجاهد جاء فيه :( ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحا ) أ
أرض أربعين صباحا ). ومن ذلك حديث عن إبراهيم :( ما بكت السماء منذ كانت الدنيا إلا على رجلين : يحيى بن زكريا والحسين بن علي حين قتلا )، فسأله السائل : أليس السماء والأرض تبكيان على المؤمن ؟ فقال :( ذاك مقامه حين يصعد عمله. ثم قال له : أتدري ما بكاء السماء ؟ قال : لا، قال : تحمر وتصير وردة كالدهان ). ومن ذلك حديث عن يزيد بن أبي زياد قال :( لما قتل الحسين بن علي احمرت آفاق السماء أربعة أشهر واحمرارها بكاؤها ). وذكروا أيضا – وهذه عبارة ابن كثير – في مقتل الحسين :( إنه ما قلب حجر يومئذ إلا وجدت تحته دم عبيط، وإن الشمس كسفت والأفق احمر وسقطت حجارة ).
ولم يرد من هذه الأحاديث في كتب الأحاديث الصحيحة المشهورة إلا حديث واحد رواه الترمذي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( ما من مؤمن إلا وله بابان باب يصعد منه عمله وباب ينزل منه رزقه فإذا مات بكيا عليه فذلك قوله فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ ( ٢٩ ) ٥.
ويلوح أن هذا الحديث قد استهدف فيما استهدفه تبشير المؤمنين وتطمينهم، ولقد عقب ابن كثير على الروايات الثلاث الأخيرة التي ذكر فيها بكاء السماء واحمرارها وكسوف الشمس وانبثاق الدماء من تحت الحجارة في ظرف مقتل الحسين رضي الله عنه. فقال :( وفي كل نظر والظاهر أنه من سخف الشيعة وكذبهم ليعظموا الأمر ولا شك أنه عظيم، ولكن لم يقع هذا الذي اختلقوه وكذبوه. وقد وقع ما هو أعظم من قتل الحسين ولم يقع شيء مما ذكروه. فقد قتل أبوه وهو أفضل منه بالإجماع وعثمان بن عفان قتل محصورا مظلوما، ولم يكن شيء من ذلك وعمر بن الخطاب قتل في المحراب ولم يكن شيء من ذلك. وهذا سيد البشر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مات ولم يكن مما ذكروه شيء. ويوم مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خسفت الشمس فقال الناس : خسفت لإبراهيم فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخطبهم وبين لهم أن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، وهذا حق. ونخشى أن يكون للشيعة يد في الأحاديث الأولى لإثبات أن ما اخترعوه في مقتل الحسين له أصل من سنة أقدم، والله أعلم.
التفسير الحديث
دروزة