ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ

قال مقاتل: هكذا فعلنا بهم (١).
٢٩ - قوله تعالى: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ روى أنس بن مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من عبد إلا له في السماء بابان باب يخرج منه ويرزق، وباب يدخل فيه عمله فإذا مات فقداه وبكيا عليه" (٢) وتلا هذه الآية، قال: وذلك أنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملًا صالحًا يبكي عليهم ولم يصعد لهم إلى السماء كلام طيب ولا عمل صالح فيبكي عليهم، وهذا قول جميع المفسرين ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل وقتادة، قالوا: لم تبك عليهم مصاعد أعمالهم على السماء، ولا مواضع سجودهم (٣) من الأرض.
وقال مجاهد: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحًا (٤)، فقلت له: أتبكي؟ فقال: أو تعجب!! وما للأرض لا تبكي

(١) انظر: "تفسير مقاتل" ٣/ ٨٢٢.
(٢) أخرج ذلك الترمذي في سننه كتاب التفسير باب (٤٦) ومن سورة الدخان، وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وموسى بن عبيدة ويزيد بن إبان الرقاشي يضعفان في الحديث ٥/ ٣٨٠، وأخرجه الثعلبي في تفسيره عن أنس ١٠/ ٩٦ ب، وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" ٨/ ٣٢٧، والخطيب في "تاريخ بغداد" ١١/ ٢١٢، وأخرجه أبو يعلى في مسنده عن أنس. انظر: ٧/ ١٦٠، وأشار محقق المسند إلى ضعفه، وذكره أيضًا ابن حجر في "المطالب العالية" ٣/ ٣٦٩. وعزاه إلى أبي يعلى وقال إسناده: ضعيف، انظر: "المطالب العالية" ٣/ ٣٦٩.
(٣) أخرج ذلك الطبري عنهم، انظر: تفسيره ١٣/ ١٢٥، و"تفسير مقاتل" ٣/ ٨٢٢، وكذا رسمها في الأصل ولعل المراد (إلى السماء).
(٤) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد، انظر: تفسيره ١٣/ ١٢٥، ونسبه ابن كثير لمجاهد، انظر: "تفسيره" ٦/ ٢٥٤، ونسبه في "الوسيط" لمجاهد، انظر: ٤/ ٩٠.

صفحة رقم 110

على عبد كان يعمرها بالركع والسجود، وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه فيها دوي كدوي النحل (١)، وهذا قول ثان لأنه لم يخص موضعًا منهما بالبكاء كما خص الأولون.
وذكر أهل المعاني في هذا قولين آخرين أحدهما: أن التقدير: أهل السماء والأرض، فحذف المضاف والمعنى: ما بكت عليهم الملائكة ولا المؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين، والثاني: أن العرب تقول في هذا كالرجل العظيم الشأن، أظلمت له الشمس، وكسف القمر لفقده، وبكته الريح والبرق والسماء والأرض، يريدون المبالغة في وصف المصيبة وأنها قد شملت وعمت، وليس ذلك بكذب لأنهم جميعًا متواطئون عليه، والسامع له يعرف مذهب القائل فيه ونيتهم في قولهم: أظلمت الشمس، كادت تظلم، وكذلك في سائر الألفاظ التي يقصدون بها التعظيم والاستقصاء في الصفة. ومعنى الآية: أن الله تعالى حين أهلك فرعون وقومه وأورث منازلهم وجناتهم غيرهم لم يبك عليهم باك ولم يجزع جازع ولم يوجد لهم فَقْد، ولو كانت السماء والأرض ممن تبكي لم تبك على هؤلاء لاستحقاقهم العقوبة والهلاك، والقولان: ذكرهما ابن قتيبة (٢) وغيره.

(١) ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٥٤، والسيوطي في "الدر المنثور"، وعزاه لعبد ابن حميد وأبو الشيخ، انظر: "الدر" ٧/ ٤١٢.
(٢) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص ١٢٦، و"معاني القرآن" للزجاج ٦/ ٤٠٥، و"تفسير الماوردي" ٥/ ٢٥٢، و"زاد المسير" ٧/ ٣٤٥، و"الزاهر" لابن الأنباري ١/ ٢٨٤.

صفحة رقم 111

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية