ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ

فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السماء والأرض هذا بيان لعدم الاكتراث بهلاكهم. قال المفسرون : أي إنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملاً صالحاً تبكي عليهم به، ولم يصعد لهم إلى السماء عمل طيب يبكي عليهم به، والمعنى : أنه لم يصب بفقدهم وهلاكهم أحد من أهل السماء، ولا من أهل الأرض، وكانت العرب تقول عند موت السيد منهم : بكت له السماء، والأرض، أي : عمت مصيبته، ومن ذلك قول جرير :

لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع
ومنه قول النابغة :
بكى حارث الجولان من فقد ربه وحوران منه خاشع متضائل
وقال الحسن : في الكلام مضاف محذوف، أي ما بكى عليهم أهل السماء والأرض من الملائكة والناس. وقال مجاهد : إن السماء والأرض تبكيان على المؤمن أربعين صباحاً، وقيل : إنه يبكي على المؤمن مواضع صلاته، ومصاعد عمله وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ أي ممهلين إلى وقت آخر بل عوجلوا بالعقوبة لفرط كفرهم، وشدّة عنادهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : وَلَقَدْ فَتَنَّا قال : ابتلينا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ قال : هو موسى أَنْ أَدُّواْ إِلَىَّ عِبَادَ الله أرسلوا معي بني إسرائيل وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى الله قال : لا تعثوا إني آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِين قال : بعذر مبين وَإِنّي عُذْتُ بِرَبّي وَرَبّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ قال : بالحجارة وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فاعتزلون أي خلوا سبيلي.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في قوله : أَنْ أَدُّواْ إِلَىَّ عِبَادَ الله قال : يقول : اتبعوني إلى ما أدعوكم إليه من الحق، وفي قوله : وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى الله قال : لا تفتروا وفي قوله : أَن تَرْجُمُونِ قال : تشتمون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه أيضاً في قوله : رَهْواً قال : سمتا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً رَهْواً قال : كهيئة، وامضه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه أيضاً : أنه سأل كعباً عن قوله : واترك البحر رَهْواً قال : طريقاً. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس أيضاً قال : الرّهو : أن يترك كما كان. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه أيضاً في قوله : وَمَقَامٍ كَرِيمٍ قال : المنابر. وأخرج ابن مردويه، عن جابر مثله. وأخرج الترمذي، وابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والخطيب عن أنس، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ما من عبد إلاّ وله بابان : باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات، فقداه، وبكيا عليه»، وتلا هذه الآية فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السماء والأرض وذكر أنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملاً صالحاً تبكي عليهم، ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام صالح، فتفقدهم، فتبكي عليهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الشعب نحوه من قول ابن عباس. وأخرج أبو الشيخ عنه قال : يقال : الأرض تبكي على المؤمن أربعين صباحاً. وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن جرير، عن شريح بن عبيد الحضرمي مرسلاً قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، ألا لا غربة على مؤمن، ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه، إلا بكت عليه السماء والأرض»، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السماء والأرض ثم قال :«إنهما لا يبكيان على كافر» وأخرج ابن المبارك، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر من طريق المسيب بن رافع، عن عليّ بن أبي طالب قال : إن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض، ومصعد عمله من السماء، ثم تلا الآية. وأخرج ابن المبارك، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال : إن الأرض لتبكي على ابن آدم أربعين صباحاً، ثم قرأ الآية. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«لا تسبوا تبعاً فإنه قد أسلم» وأخرجه أحمد، والطبراني، وابن ماجه، وابن مردويه عن سهل بن سعد الساعدي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله، وروي نحو هذا عن غيرهما من الصحابة، والتابعين.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية