ﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩ

قوله تعالى : وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ فيه وجهان :
أظهرهما : أن قوله :«وَمَا يَبُثُّ » معطوف على «خَلْقِكُمْ » المجرور بفي والتقدير : وفيمَا يَبُثُّ(١).
الثاني : أنه معطوف على الضمير المخفوض(٢) بالخلق وذلك على مذهب من يرى العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار(٣). واستقبحه الزمخشري وإن أُكِّدَ، نحو : مَرَرْتُ بِكَ أَنْتَ وَزَيْدٍ(٤) يشير بذلك إلى مذهب الجَرْميّ(٥)، فإنه يقول : إن أكّدَ جاز، وإِلاَّ فَلاَ. فقوله مذهب ثالث(٦).
قوله : آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ و آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . وقرأ آيات بالكسر في الموضعين الأخوان(٧) والباقون برفعهما، ولا خلاف في كسر الأولى ؛ لأنها اسم «إن » فأما آيات لقوم يوقنون بالكسر فيجوز فيها وجهان :
أحدهما : أنها معطوفة على اسم «إن » والخبر قوله : وَفِي خَلْقِكُمْ كأنه قيل : وإنَّ فِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَات(٨).
والثاني : أن تكون(٩) كررت توكيداً «لآيَات » الأُوْلَى، ويكون «في خلقكم » معطوفاً على «السَّموَات » كرر معه حرف الجر توكيداً. ونظيره أن تقول : إنَّ في بَيِْتِكَ زَيْداً وفي السّوقِ زَيْداً فزيد الثاني توكيد للأول كأنك قلت : إنَّ زَيْداً زَيْداً فِي بَيْتِكَ وفِي السُّوق.
وليس في هذا عطف على معمولي عاملين البتة(١٠) وقد وهم أبو البقاء فجعلها من ذلك فقال : آيات لقوم يوقنون بكسر الثانية وفيه وجهان :
أحدهما : أن «إن » مضمرة حذفت لدلالة «إن » الأولى عليها، وليست «آيات » معطوفة على آيات الأولى، لما فيه من العطف على معمولي عاملين.
والثاني : أن تكون كررت للتأكيد(١١)، لأنها من لفظ «آيات » الأولى، وإعرابها كإعرابها كقولك : إنَّ بِثَوْبِكَ دَماً وَبِثَوْبِ زَيْدٍ دماً، فَدَم الثاني مكرر، لأنك مستغنٍ عن ذكره انتهى(١٢).
فقوله : وليست معطوفة على «آيات » الأولى لما فيه من العطف على معمولي عاملين وهمٌ أين(١٣) معمول العامل الآخر ؟ وكأنه توهم أن «في » ساقطة من قوله : وَفِي خَلْقِكُمْ أو اختلطت عليه آيات لقوم يعقلون بهذه، لأن تِيكَ فيها ما يوهم العطف على عاملين(١٤). وقد ذكره هو أيضاً(١٥). وأما الرفع(١٦) فمن وجهين أيضاً :
أحدهما : أن يكون «فِي خَلْقِكُمْ » خبراً مقدماً، و«آياتٌ » مبتدأ مؤخراً، وهي جملة معطوفة على جملة مؤكدة بإِن.
والثاني : أن تكون معطوفة على «آيات » الأولى اعتباراً بالمحل(١٧) عند من يجيز ذلك، لا سيما عند من يقول : إنه يجوز ذلك بعد الخبر بإجماع(١٨).

١ الكشاف ٣/٥٠٨..
٢ في ب المعطوف تحريف..
٣ وهو مذهب الكوفة ويونس وقد احتجوا بقراءة حمزة أحد السبعة يقرأ آية النساء: واتقوا اله الذي تساءلون به والأرحام بجر الأرحام عطفا على محل الضمير دون إعادة الجار. وقد احتجوا بآيات أخرى وأقوال وأشعار عربية شاهدة لما ذهبوا إليه. وقد رجح مذهب البصريين أناس كثيرون منهم ابن مالك في تسهيله انظر في هذه المسألة الإنصاف المسألة رقم (٦٥) والبحر ٨/٤٢، والتسهيل ١٧٧، والكتاب ٢/٣٨٢ و٣٨٣..
٤ الكشاف ٣/٥٠٨..
٥ صالح بن إسحاق أبو عمر، أخذ عن الأخفش الأوسط، وسمع عن يونس وله فضل كبير في إظهار كتاب سيبويه. توفي سنة ٢٥٠ هـ وانظر نزهة الألباء ١٠١ وإنباه الرواة ٢/٨٠ ونشأة النحو ٩٢..
٦ الدر المصون ٤/٨٢٣ والهمع ١/١٣٩ والبحر المحيط ٨/٤٢..
٧ انظر السبعة ٥٩٥ والإتحاف ٣٨٩ والكشف لمكي ٢/٢٦٧..
٨ الفراء في المعاني ٢/٤٥..
٩ يقصد آيات الثانية..
١٠ البيان ٢/٣٦٣، ٣٦٤..
١١ في التبيان: أن يكون كرر آيات للتوكيد انظر..
١٢ المرجع السابق..
١٣ في ب أي تحريف..
١٤ الدر المصون ٤/٨٢٤..
١٥ قال في الثانية: وأجاز قوم أن يكون ذلك من باب العطف على عاملين. انظر التبيان السابق..
١٦ رفع آيات الثانية..
١٧ ذكر هذين الوجهين ابن الأنباري في البيان ٢/٣٦٣ والسمين في الدر ٤/٨٢٤ و٨٢٥ وقد ذكر الأول فقط أبو البقاء في التبيان ١١٥٠..
١٨ نسب أبو حيان هذا إلى أبي الحسن الأخفش ولم أعثر عليه في معاني القرآن عند تعرضه لتلك الآية وانظر البحر ٨/٤٣ وانظر في تلك المسألة مغني اللبيب ٢/٤٧٤ وانظر أيضا البيان ٢/٣٦٣ و٣٦٤ وشرح الكافية للرضي ١/٣٢٤، ٣٢٥..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية