قلت : واختلاف الليل والنهار... الآية ؛ فيها العطف على عاملين، سواء نصبت " آيات " أو رفعتها، فالعاملان إذا نصبت " إن " و " في " أقيمت الواو مقامهما، فعملت الجر في واختلاف والنصب في آيات ، وإذا رفعت فالعاملان الابتداء، وحرف " في " عملت الواو الرفع في " آيات " والجرّ في " واختلاف " وهذا مذهب الأخفش، فإنه يُجوِّز العطفَ على عاملين، وأما سيبويه فلا يُجيزه، وتخريج الآية عنده : أن يكونَ على إضمار " في "، والذي حسّنه : تقديم ذكر " في " الآيتين قبله، ويؤيده : قراءة ابن مسعود رضي الله عنه : وفي اختلاف الليل والنهار وفيها أوجه أُخر.
أي : من نطفة ثم من علقة متقلبة من أطوار مختلفة إلى تمام الخلق، وما يَبُث من دابةٍ عطف على المضاف دون المضاف إليه، أي : وفي خلق ما يبث، أي : ينشر ويُصرّف من دابة آياتٌ ظاهرة على باهر قدرته وحكمته، لقومٍ يُوقنون أي : من شأنهم أن يوقنوا بالأشياء على ما هي عليه، ويعرفوا فيها صانعها، وفي اختلاف الليل والنهار .
قوله تعالى : إِنَّ في السماوات والأرض... الآية ؛ شواهد الربوبية لائحةٌ، وأدلة الإلهية واضحةٌ، فَمَنْ صحا فكره عن سُكر الغفلة، ووضعَ سِرَّه في محل العِبْرة، حَظِيَ - لا محالة - بحقائق الوصلة. هـ. قلت : إنما يحظى بالوصلة إذا نفذت بصيرته إلى شهود المكوِّن، ولم يقف مع شيء من حس الكائنات، بل نفذ إلى ما فيها من أسرار المعاني، فعرف فيها مولاها، وشاهد فيها المتجلي بها، وإلا بَقِيَ مسجوناً محصوراً في ذاته.
قوله تعالى : وفي خلقكم... الآية، قال القشيري : إذا أنعم العبدُ النظرَ في استواء قدِّه وقامته، واستكمال خلقه، وتمام تمييزه، وما هو مخصوص به من جوارحه وحوائجه، ثم فكّر فيما عداه من الدواب، وأجزائها وأعضائها، ووقف على اختصاصه، وامتياز بني آدم من بين البريَّة من الحيوانات، في الفهم والعقل والتمييز والعلم، ثم في الإيمان والعرفان، ووجوه خصائص أهل الصفوة من هذه الطائفة من فنون الإحسان ؛ عَرَف تخصيصهم بمناقبهم، وانفرادهم بفضلهم، فاستيقن أن الله أكرمهم، وعلى كثيرٍ من المخلوقات قَدَّمهم.
ثم قال في قوله : واختلاف الليل والنهار... الآية. جعل الله العلومَ الدينية كسبيةً مُصحَّحةً بالدلائل، مُحتَفةً بالشواهد، فمَن لم يستبصرْ لها زلَّتْ قَدَمُه عن الصراط المستقيم، ووقع في عذاب الجحيم، فاليومَ في ظلمة الحيرة والتقليد، وفي الآخرة في التخليد في الوعيد. هـ. قلت : النظر في دلائل الكائنات من غير تنوير، ولا صحبة أهل التنوير، لا تزيد إلا حيرة، ولذلك قال بعضهم : إيمان أهل علم الكلام كالخيط في الهواء، يميل مع كل ريح، فالتقليد حينئذ أسلم، والتمسك بظاهر الكتاب والسنة أتم، ومَن سقط على العارفين بالله، لم يحتج إلى دليل ولا شاهد، وأغناه شهود الشهيد عن كل شاهد.
كيف يُعرف بالمعارف مَن به عُرفت المعارف ؟ ! تنزّه الحق تعالى أن يفتقر إلى دليل يدلّ عليه، بل به يستدل على غيره، فلا يجد غيره. تلك آيات شواهد نتلوها عليك لترانا فيها، لا لتراها مفروقةً عنا، ولذلك قال تعالى : بالحق أي : ملتبسة بنور الحق، الله نور السموات والأرض. عجبت لمَن يبغي عليك شهادة وأنت الذي أشهدته كلَّ شاهد
قوله تعالى : فبأي حديث... الآية، قال القشيري : فَمَنْ لا يؤمن بها فبأي حديث يؤمن ؟ ومن أي أصل ينشأ بعده ؟ ومن أي بحر في التحقيق يغترف ؟ هيهات ما بقي للإشكال في هذا مجال. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي