ﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍ

وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أي يعذبون بها أصله يعرض النار عليهم فقلب مبالغة كقولهم عرضت الناقة على الحوض أذهبتم مقدر بالقول أي يقال لهم أذهبتم وهو ناصب اليوم، قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب ْأذهبتم بالاستفهام فقرأ ابن ذكوان بهمزتين محققتين بغير مد وابن كثير وأبو جعفر ويعقوب وهشام بهمزة ومد وهشام أطول مدا على أصله وابن كثير يسهل الثانية على أصله والباقون بهمزة واحدة على الخبر، قال البغوي كلاهما فصيحتان لأن العرب تستفهم للتوبيخ وتترك الاستفهام طيباتكم ولذائذكم في حياتكم الدنيا باستيفاء ما كتب لكم حظا منها في الدنيا واستمتعتم بها فما بقي لكم منها شيء فاليوم الفاء للسببية عطف على استمتعتم تجزون عذاب الهون أي العذاب الذي فيه ذل وهوان بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون أي بسبب الاستكبار الباطل والفسوق عن طاعة الله.
قال البغوي وبخ الله الكافرين بالتمتع في الدنيا فأثر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الصالحون اجتناب اللذات للدنيا رجاء لثواب الآخرة، روى الشيخان في الصحيحين عن عمر رضي الله عنه قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش قد أثر الرمال بجنبه متكئا على وسادة من أدم حشوها ليف، قلت يا رسول الله أدع الله فليوسع على أمتك فإن فارس والروم قد وسع عليهم وهم لا يعبدون الله، فقال أوفي هذا أنت يا ابن الخطاب ؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، وفي رواية ( أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة )١ وفي الصحيحين عن عائشة ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى البخاري عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية فدعوه فأبى أن يأكل وقال خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير٢، وروى عن عائشة قالت لقد كان يأتي علينا شهر ما توقد فيه نار وما هو إلا الماء والتمر غير أن جزى الله النساء من الأنصار خيرا ربما أهدين لنا شيئا من اللبن، وروى أحمد والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاويا وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم خبز الشعير٣، وروى الترمذي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لقد أخفت في الله وما يخاف أحد ولقد أوذيت وما يؤذى أحد ولقد أتت علي ثلاثين من بين ليلة ويوم ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال ) قال الترمذي ومعنى الحديث حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم هاربا من مكة ومعه بلال إنما كان مع بلال من الطعام ما تحمل تحت إبطه، وروى البخاري عن أبي هريرة ( قال رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء إما إزار وإما كساء قد ربطوا في أعناقهم فمنها ما يبلغ نصف الساقين ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته )٤، وروى البخاري عن أنس أنه مشى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخبز شعير وإهالة سبخة، ولقد وهن النبي صلى الله عليه وسلم درعا بالمدينة عند يهودي وأخذ منه الشعير لأهله ولقد سمعته يقول ما أمسى عند آل محمد صاع بر ولا صاع حب وإن عنده تسع نسوة٥ وروى الترمذي عن أبي طلحة قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه عن حجرين٦، وقال الترمذي هذا حديث غريب، وروى مسلم عن عبد الرحمان قال " جاء ثلاثة نفر إلى عبد الله بن عمرو وأنا عنده فقالوا يا أبا محمد والله ما نقدر على شيء لا نفقة ولا دابة ولا متاع، فقال لهم ما شئتم إن شئتم رجعتم إلينا فأعطيناكم ما يسر الله لكم وإن شئتم ذكرنا أمركم للسلطان وإن شئتم صبرتم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفا، قالوا فإنا نصبر نسأل شيئا )٧ وروى أحمد عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث به إلى اليمن قال :( إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين ) وروى البيهقي في شعب الإيمان عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من رضي من الله باليسر من الرزق رضي الله عنه بالقليل من العمل ) وروى البغوي عن عبد الرحمان بن عوف أنه أتى بطعام وكان صائما فقال قتل مصعب بن عمير وهو خير مني فكفن في بردة إن غطى رأسه بدت رجلاه وإن غطي رجلاه بدا رأسه قال وأراه قال وقتل حمزة وهو خير مني ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط أو قال أعطينا الدنيا وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام، وروي عن جابر بن عبد الله أنه رأى عمر بن الخطاب لحما معلقا في يدي فقال ما هذا يا جابر ؟ قلت اشتهيت لحما فاشتريته فقال عمر فكلما اشتهيت يا جابر اشتريت أما تخاف هذه الآية أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ، وقد روى القصة من حديث ابن عمر، وفي رواية من حديث جابر أما يجد أحدكم أن يطوى بطنه لجاره وابن عمه، وروى رزين عن زيد بن أسلم قال استسقى يوما عمر فجيء بماء قد شيب بعسل فقال إنه طيب لكني أسمع الله عز وجل نفى على قومه شهواتهم فقال أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فأخاف أن تكون حسناتنا عجلت لنا فلم يشربه.

١ أخرجه البخاري في كتاب: المظالم، باب: الغرفة والعلية المشرفة في السطوح وغيرها ٢٤٦٨، وأخرجه مسلم في كتاب: الطلاق، باب: في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن ١٤٧٩..
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الأطعمة، باب: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأكلون ٥٤١٤..
٣ أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في معيشة النبي صلى الله عليه وسلم وأهله ٢٣٦٠، وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الأطعمة: باب: خبز الشعير ٣٣٤٧..
٤ أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: نوم الرجال في المسجد ٤٤٢..
٥ أخرجه البخاري في كتاب: البيوع، باب: شراء النبي صلى الله عليه وسلم بالنسيئة ٢٠٦٩..
٦ أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في معيشة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ٢٣٧١..
٧ أخرجه مسلم في أول كتاب: الزهد والرقائق ٢٩٧٩..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير