ﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍ

ويوم يعرض الذين كفروا على النار
ويوم القيامة يعرض الكافرون بالله- أو بملائكته أو كتبه أو رسله أو بالآخرة-يعرضون على عذاب النار، ويردونه ليصلوه.
أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها
يقال لهم للتحسير والتنكيل : أذهبتم نصيبكم من الحياة الطيبة واستوفيتموه في الحياة الدنية التي كنتم تحبونها، وقضيتموها في المتع والشهوات- من قناطير الذهب والفضة والزينات واللهو والزخرف والجاه والتفاخر والتكاثر- وزينت لكم السيئات وخرجتم من الدنيا ولا حسنة لكم. وقيل : أفنيتم شبابكم في الكفر والعصيان.
فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون( ٢٠ )*
فجازاهم بما يستحقون- والجزاء من جنس العمل- وبسخريتهم من الرسل والمؤمنين سخر الله منهم وأذلهم وأخزاهم، إذ كانوا يتعاظمون على الخلق، ويخالفون عن أمر الخالق، ويخرجون عن طاعته، ويتأنفون عن عبادته.
في صحيح مسلم وغيره أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مشربته١ حين هجر نساءه قال : فالتفت فلم أر شيئا يرد البصر إلا أهبا٢ معطونة قد سطع ريحها، فقلت : أنت رسول الله وخيرته، وهذا كسرى وقيصر في الديباج والحرير ؟ قال : فاستوى جالسا وقال :( أفي شك أنت يا ابن الخطاب أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا ). فقلت : استغفر لي ! فقال :" اللهم اغفر له ".
وقال قتادة : ذُكِر لنا أن عمر رضي الله عنه قال : لو شئت كنت أطيبكم طعاما وألينكم لباسا، ولكني أستبقي طيباتي للآخرة.
وروى الحسن عن الأحنف بن قيس أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول : لأنا أعلم بخفض العيش، ولو شئت لجعلت أكبادا وصلاء- ما يشوى على النار- وصنابا [ أصبغة تتخذ من الخردل والزبيب، تشهّي الأكل ] وصلائق [ الخبز الرقاق العريض ] ولكني أستبقي حسناتي، فإن الله عز وجل وصف أقواما فقال : .. أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها.. .
مما نقل كثير من المفسرين عن حفص بن أبي العاص قال : كنت أتغذى عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخبز والزيت، والخبز والخل، والخبز واللبن، والخبز والقديد، وأقل ذلك- وقوعا- اللحم العريض [ الطري ] وكان يقول لا تنخلوا الدقيق فإنه طعام كله، فجيء بخبز متفلع [ مشقق ] غليظ، فجعل يأكل ويقول : كلوا، فجعلنا لا نأكل، فقال : ما لكم لا تأكلون ؟ فقلنا : والله يا أمير المؤمنين نرجع إلى طعام ألين من طعامك هذا.
كما رووا : أنه لما قدم عمر الشام صُنع له طعام لم يُر قط مثله، قال : هذا لنا ! فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وما شبعوا من خبز الشعير ! فقال خالد ابن الوليد : لهم الجنة، فاغرورقت عينا عمر بالدموع وقال : لئن كان حضنا من الدنيا هذا الحطام، وذهبوا هم في حضهم بالجنة فقد باينونا بونا بعيدا.
يقول علماء الأحكام :[ تعاطي الطيبات من الحلال تستشره لها الطباع، وتستمرئها العادة، فإذا فقدتها استسهلت في تحصيلها بالشبهات حتى تقع في الحرام المحض بغلبة العادة واستشراه الهوى على النفس الأمارة بالسوء ؛ فأخذ عمر –رضي الله عنه-الأمر من أوله، وحماه من ابتدائه كما يفعله مثله، والذي يضبط هذا الباب.. على المرء أن يأكل ما وجد، طيبا كان أو قفارا- الطعام بلا أدم- ولا يتكلف الطيب ويتخذه عادة ؛ وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشبع إذا وجد، ويصبر إذا عدم، ويأكل الحلوى إذا قدر عليها، ويشرب العسل إذا اتفق له، ويأكل اللحم إذا تيسر، ولا يعتمد أصلا، ولا يجعله ديدنا [ دأبا وعادة لازمة ] ؛ وقيل إن التوبيخ واقع على ترك الشكر لا على تناول الطيبات المحللة، وهو حسن ؛ فإن تناول الطيب الحلال مأذون فيه، بل مأمور به في مثل قول المولى تبارك اسمه : يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم.. ٣ بل عهد به الله تعالى إلى رسله الكرام : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات.. ٤ فإذا ترك الشكر عليه واستعان به على ما لا يحل له فقد أذهبه ]٥ والله تعالى أعلم.

١ غرفته..
٢ أهبا: جمع إهاب، وهو الجلد..
٣ سورة البقرة. من الآية ١٧٢..
٤ سورة المؤمنون. من الآية ٥١..
٥ ما بين العارضتين أوردته لأذكر بالمنهاج القرآني في شأن الحياة الطيبة والرزق المبسوط..

فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

تعيلب

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير