تفسير المفردات : طيباتكم : أي شبابكم وقوتكم يقولون ذهب أطيباه أي شبابه وقوته، الهون : أي الهوان والذل، تفسقون : أي تخرجون من طاعة الله.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه حال الداعين للوالدين، البررة بهما، ثم ذكر ما أعد لهما من الفوز والنجاة في الدار الآخرة – أعقب هذا بذكر حال الأشقياء العاقين للوالدين، المنكرين للبعث والحساب، المحتجين بأن القرون الخوالي لم تبعث، ثم رد الآباء عليهم بأن هذا اليوم حق لا شك فيه، ثم بإجابة الأبناء لهم بأن هذه أساطير الأولين وخرافاتهم، ثم ذكر أن أمثال هؤلاء ممن حق عليهم القول بأن مصيرهم إلى النار.
ثم أردف هذا أن لكل من البررة والكفرة منازل عند ربهم كفاء ما قدموا من عمل وسيجزون عليها الجزاء الأوفى، ثم أخبر بأنه يقال للكفار حين عرضهم على النار : أنتم قد تمتعتم في الحياة الدنيا، واستكبرتم عن اتباع الحق، وتعاطيتم الفسوق والمعاصي، فجازاكم الله بالإهانة والخزي والآلام الموجبة للحسرات المتتابعة في دركات النار.
الإيضاح : وبعد أن بين سبحانه أنه يعطي كل ذي حق حقه – بين الأهوال التي يلاقيها الكافرون فقال :
ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون أي واذكر لقومك حال الذين كفروا حين يعذبون في النار، ويقال لهم على سبيل التأنيب والتوبيخ : إن كل ما قدر لكم من اللذات والنعيم قد استوفيتموه في الدنيا ونلتموه ولم يبق لكم منه شيء، ولكن بقيت لكم الإهانة والخزي جزاء استكباركم وفسوقكم عن أمر ربكم وخروجكم من طاعته.
وفي هذا تحريض على التقلل من زخرف الدنيا وزينتها والأخذ بالتقشف فيها.
أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم والبيهقي عن ابن عمر أن عمر رضي الله عنه رأى في يد جابر بن عبد الله رضي الله عنه درهما فقال : ما هذا الدرهم ؟ قال : أريد أن أشتري به لأهلي لحما قرموا إليه، فقال : أكلما اشتهيتم شيئا اشتريتموه ؟ أين تذهب عنكم هذه الآية : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها .
وروى الحسن عن الأحنف بن قيس أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : لأنا أعلم بخفض العيش، ولو شئت لجعلت أكبادا وصلاء١وصنابا وصلائق ولكني أستبقي حسناتي، فإن الله عز وجل وصف أقواما فقال : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها .
وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإيمان عن ثوبان رضي الله عنه قال :{ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر كان آخر عهده من أهله بفاطمة، وأول من يدخل عليه منهم فاطمة رضي الله عنها، فقدم من غزاة فأتاها فإذا بمسح ( بكسر فسكون، وهو ثوب من شعر غليظ ) على بابها، ورأى على الحسن والحسين قلبين( مثنى قلب بضم فسكون : السوار ) من فضة فرجع ولم يدخل عليها، فلما رأت ذلك ظنت أنه لم يدخل من أجل ما رأى، فهتكت الستر ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما فبكيا، فقسمت ذلك بينهما، فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما يبكيان، فأخذ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما، وقال :( يا ثوبان اذهب بهذا إلى بني فلان( أهل بيت بالمدينة ) واشتر لفاطمة قلادة من عصب( بفتح فسكون خرز أبيض )وسوارين من عاج، فإن هؤلاء أهل بيتي : ولا أحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا ).
وقد كان السلف الصالح يؤثرون التقشف والزهد في الدنيا رجاء أن يكون ثوابهم في الآخرة أكمل، لا أن التمتع بزخارف الدنيا مما يمتنع، بدليل قوله تعالى : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ( الأعراف : ٣٢ ).
نعم إن الاحتراز عن التنعم أولى، لأن النفس إذا اعتادت ذلك وألفته صعب عليها تركه والاكتفاء بما دونه، ولله در البوصيري إذ يقول :
والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
والذي يضبط هذا الباب ويحفظ قانونه : أن على المرء أن يأكل ما وجد، طيبا كان أو قفارا ( الطعام بلا أدم ) ولا يتكلف الطيب ويتخذه عادة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشبع إذا وجد، ويصبر إذا عدم، ويأكل الحلوى إذا قدر عليها ويشرب العسل إذا اتفق له، ويأكل اللحم إذا تيسر، ولا يعتمده أصلا، ولا يجعله ديدنا له.
تفسير المراغي
المراغي