ثم ذكر جزاء العاق المنكر للبعث، فقال :
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ .
قلت : ويوم : منصوب بقول مقدّر قبل أذهبتم أي : يقال هم : أذهبتم طيباتكم يوم عرضكم، أو باذكر، وهو أحسن.
يقول الحق جلّ جلاله : و اذكر يومَ يُعْرَضُ الذين كفروا على النار أي : يُعذّبون بها، من قولهم : عُرض بنو فلان على السيف، إذا قُتلوا به، وقيل المراد : عرض النار عليهم، من قولهم : عرضت الناقة على الحوض، يريدون : عرض الحوض عليها، فقلبوا. وإذا عُرضوا عليها يُقال لهم : أَذْهبتُمْ طيباتِكُم أي : أخذتم ما كُتب لكم من حظوظ الدنيا ولذائذها في حياتكم الدنيا فقد قدمتم حظكم من النعيم في الدر الفانية.
قال ابن عرفة : قيل : المراد بالطيبات المستلذات، والظاهر : أن المراد أسباب المستلذات، أي : الأسباب التي تتوصلون بها إلى نيل المستلذات في الدار الآخرة، إذ نسيتموها في الدنيا، أي : تركتموها ولم تفعلوها. ه. قلت : يُبعده قوله : واستمتعتم بها أي : فلم يُبق ذلك لكم شيئاً منها، بل قدمتم جنتكم في دنياكم.
وعن عمر رضي الله عنه : لو شئتُ كنتُ أطيبَكم طعاماً، وألينكم لباساً، ولكني أستبقي طيباتي. ولما قَدِم الشامَ صُنعَ له طعامٌ لم يُر قبله مثله، قال : هذا لنا، فما للفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون خبز الشعير ؟ قال خالد، لهم الجنة، فاغروْرقتْ عينا عمر وبكى، وقال : لئن كان حظنا من الحطام، وذهبوا بالجنة، لقد باينونا بوناً بعيداً، وقال أبو هريرة رضي الله عنه : إنما كان طعامنا مع النبي صلى الله عليه وسلم الماء والتمر، والله ما كان نرى سمراءَكم هذه، وقال أبو موسى : ما كان لباسنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا الصوف.
ورُوي : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم دخل على أهل الصُّفة، وهم يرقعون ثيابهم بالأدَم، ما يجدون لها رقاعاً، فقال :" أنتم اليوم خيرٌ أم يومَ يغدو أحدكم في حُلة، ويروح في أخرى، ويُغدا عليه بجفنة ويُراح بأخرى، ويُسترُ بيته كما تُستر الكعبة " ؟ قالوا : نحن يومئذ خير، فقال لهم :" بل أنتم اليوم خير " ١.
وقال عمرو بن العاص : كنت أتغدّى عند عمر الخبزَ والزيتَ، والخبز والخل، والخبز واللبن، والخبز والقديد، وأجلّ ذلك اللحم الغريض، وكان يقول : لا تنخلوا الدقيق، فإنه كله طعامٌ، ثم قال عمر رضي الله عنه : والله الذي لا إله إلا هو، لولا أني أخاف أن تنقص حسناتي يوم القيامة لشاركتهم في العيش ! ولكني سمعتُ اللّهَ يقول لقوم : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها . ه.
فاليوم تُجزونَ عذابَ الهُونِ أي : الهوان، وقرئ به، بما كنتم في الدنيا تستكبرون في الأرض بغير الحق بغير استحقاق لذلك، وبما كنتم تَفْسُقون وتخرجون عن طاعة الله عزّ وجل، أي : بسبب استكباركم وفسقكم.
الإشارة : ما زالت الأكابر من الأولياء تتنكب الحظوظ والشهوات، مجاهدةً لنفوسهم، وتصفيةً لقلوبهم، فإنَّ تَتَبُّعَ الشهوات يُقَسي القلب، ويكسِف نور العقل، كما قال الشاعر٢ :
| إنَارَةُ العقل مَكْسُوفٌ بطَوْع هَوىً | وعَقْلُ عَاصِي الهَوَى يَزْدَادُ تنْوِيرا |
والحاصل : أن الناس أقسام ثلاثة : عوام، لا همة لهم في السير، وإنما قنعوا أن يكونوا من عامة أهل اليمين. فهؤلاء يأخذون كل ما أباحته الشريعة، إذ لا سير لهم حتى يخافوا من تخلُّفهم، وخواص، نهضت همتُهم إلى الله، وراموا الوصول إليه، وهم في السير لم يتحقق وصولهم، أو من العُبَّاد والزهّاد، يخافون إن تناولوا المستلذات تفتَّرت عزائمهم، فهؤلاء يتأكد في حقهم ترك الحظوظ والشهوات، والقسم الثالث : خواص الخواص، قد تحقق وصولهم، ورسخت أقدامهم في المعرفة، فهؤلاء لا كلام معهم، ولا ميزان عليهم.
قال في الإحياء، بعد كلام : وأكل الشهوات لا يُسلَّم إلا لمَن نظر من مشكاة الولاية والنبوة، فيكون بينه وبين الله علامة في استرساله وانقباضه، ولا يكون ذلك إلا بعد خروج النفس من طاعة الهوى والعادة بالكلية، حتى يكون أكلُه إذا أكل بنية، كما يكون إمساكه بنية، فيكون عاملاً له في إفطاره وإمساكه. ثم قال : وينبغي أن يتعلّم الحزم من عُمر، فإنه كان يرى النبيّ صلى الله عليه وسلم يُحب العسل ويأكله، ثم لم يقس نفسه عليه، بل لمّا عُرض عليه ماء مبرّد بالعسل جعل يُدير الإناء في كفه، ويقول : أَشربُها فتذهب حلاوتها وتبقى تباعتُها، اعزلوا عني حسابها، وتركها رضي الله عنه.
٢ البيت لبعض المولدين في المقاصد النحوية ٣/٣٩٦، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٥/٢٦٣، وأوضح المسالك ٣/١٠٥، وخزانة الأدب ٤/٢٢٧، وشرح الأشموني ٢/٣١٠، وشرح التصريح ٢/٣٢، ومغني اللبيب ٢/٥١٢..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي