تخطونه في الأرض، وكأنه قيل لهم ذلك لأنهم كانوا يعدونه علمًا لهم وبياناً في الأمور فقيل لهم: ائتوني بعلم من هذه الجهة على ما تدعونه حقًّا إن كنتم صادقين أن لله شريكًا. واشتقاق هذا القول من الأثر بمعنى العلامة، والخط أثر.
٥ - ثم ذكر ضلالة هؤلاء. فقال: وَمَنْ أَضَلُّ إلى قوله: مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ قال ابن عباس: لا يثيبه ولا يرزقه إلى يوم القيامة (١). قال مقاتل: أبدًا، يعني: لا يستجيب له أبدًا ما دامت الدنيا، فإذا قامت القيامة كانت الآلهة أعداء لمن عبدها في الدنيا (٢)، وهو قوله:
٦ - وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ، وهذا كقوله: وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [مريم: ٨٢] وقد مر. قال ابن عباس: يريد الملائكة وعيسى وعزير وكل ما عبد من دون الله أعداء لمن عبدهم (٣) وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ؛ لأنهم يقولون: ما دعوناهم إلى عبادتنا وتبرؤوا من عبادتهم كما قال: تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ [القصص: ٦٣].
٨ - قوله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ وذلك أن كفار مكة قالوا: ما هذا القرآن إلا شيء ابتدعته من تلقاء نفسك فقال الله: قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا.
(١) لم أقف عليه.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" ٤/ ١٦.
(٣) لم أقف عليه.
قال مقاتل: لا تقدروا لحى أن تردوا عني عذابه (١)، وهذا كقوله: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [الفتح: ١١] ومثله في التنزيل كثير.
وقال ابن عباس: لا تمنعونني من الله (٢) والمعنى: أنكم لا تقدرون أن تدفعوا عني عقاب الله، فكيف أفتري على الله لأجلكم وأنا أعلم هذا، وفيه تبعيد لقولهم افتريته، هُوَ أي: الله أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ أي: بما تقولون في القرآن وتخوضون فيه من التكذيب به، والقول فيه أنه سحر وكهانة، قاله المفسرون (٣)، وكل خوض في الحديث إفاضة كقوله (٤): إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس: ٦١] وقد مر.
كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ قال مقاتل: يعني فلا شاهد أفضل من الله بيني وبينكم أن القرآن جاء من الله وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ في تأخير العذاب عنكم حين لا يعجل عليكم بالعقوبة (٥).
وقال ابن عباس: يريد لأوليائه وأهل طاعته (٦).
وقال أبو إسحاق: معنى الغفور الرحيم هاهنا دعاهم إلى التوبة، معناه: أن من أتى من الكبائر العظام بمثل ما أتيتم به من الافتراء على الله (٧)، وعليَّ ثم تاب فالله غفور رحيم له.
(٢) لم أقف عليه
(٣) انظر: "تفسير الطبري" ١٣/ ٢/ ٥، و"زاد المسير" ٧/ ٣٧١، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٦/ ١٨٤، و"تفسير الوسيط" ٤/ ١٠٤.
(٤) انظر: اللسان (خوض) ٧/ ١٤٧.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" ٤/ ١٦، ١٧.
(٦) لم أقف عليه.
(٧) نص العبارة عند الزجاج: (من افتراء على الله جل وعلا ثم تاب فإن الله غفور رحيم) ٤/ ٤٣٩.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي