ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘ ﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ ﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿ

المهينة، وحذّرت من صلح الأعداء حال القوة، ووصفت حال الدنيا باللهو واللعب، ودعت إلى الإنفاق في سبيل اللَّه، فإن الدنيا فانية زائلة: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ.. إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ....
فضل السورة:
أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما: أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم كان يقرؤها في صلاة المغرب.
بيان الفرق بين الكفار والمؤمنين
[سورة محمد (٤٧) : الآيات ١ الى ٣]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣)
الإعراب:
الَّذِينَ كَفَرُوا.. أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ مبتدأ وخبر، وكذلك: وَالَّذِينَ آمَنُوا.. كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ. وَأَصْلَحَ بالَهُمْ البال: الحال والشأن: لا يثنى ولا يجمع.
ذلِكَ بِأَنَّ مبتدأ وخبر أيضا.
البلاغة:
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ..
بينهما مقابلة. وبين كَفَرُوا وآمَنُوا طباق.
وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ بعد قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا ذكر خاص بعد عام تعظيما

صفحة رقم 77

للمنزل عليه، وإشعارا بأن الإيمان لا يتم دونه، وأنه الأصل فيه، ولذلك أكده بقوله: وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ.
أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أَصْلَحَ بالَهُمْ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ سجع رصين غير متكلف.
المفردات اللغوية:
الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة وأهل الكتاب وأمثالهم، أي امتنعوا عن الدخول في الإسلام وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ منعوا الناس من الدخول في الإسلام، وهذا عام في جميع من كفر وصد.
أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أبطلها وأحبطها بالكفر، فلا ثواب لها في الآخرة، ويجزون بها في الدنيا فضلا من اللَّه تعالى، وذلك كصلة الأرحام، وفك الأسارى، وحفظ الجواز.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من المهاجرين والأنصار وأهل الكتاب وغيرهم وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ أي آمنوا بالقرآن المنزل على النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، وتخصيصه بعد العموم تعظيم له واعتناء بشأنه. وقرئ: نزّل بالبناء للمعلوم، وأنزل بالبناء للمعلوم والمجهول، ونزل بالتخفيف وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ أي والقرآن هو الحق الثابت الذي لا شك فيه من اللَّه كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ سترها بالإيمان وعملهم الصالح، والسيئات: الذنوب وَأَصْلَحَ بالَهُمْ أي حالهم وشأنهم في الدين والدنيا بالتوفيق والتأييد. والبال: لا يثنى ولا يجمع.
ذلِكَ إشارة إلى ما سبق من الإضلال والتكفير والإصلاح بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ أي بسبب اتباع الكفار الباطل من الأمر والشيطان. وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ أي بسبب اتباع المؤمنين الحق وهو القرآن ومحمد كَذلِكَ مثل ذلك البيان وضرب المثل يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ أي يبين أحوال الفريقين، فالكافر يحبط عمله، والمؤمن يغفر زلله، والأول مثل لخيبته، والثاني مثل لفوزه.
سبب النزول: نزول الآية (١) :
الَّذِينَ كَفَرُوا: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ قال: هم أهل مكة نزلت فيهم.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قال: هم الأنصار.

صفحة رقم 78

وقال ابن عباس في رواية أخرى: نزلت في المطعمين ببدر، وهم اثنا عشر رجلا: أبو جهل، والحارث بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبيّ وأميّة ابنا خلف، ومنبّه ونبيه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، وحكيم بن حزام، والحارث بن عامر بن نوفل.
التفسير والبيان:
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أي الذين جحدوا توحيد اللَّه وآياته، وعبدوا غيره، وصدوا غيرهم عن دين الإسلام، بنهيهم عن الدخول فيه، وهم كفار قريش، أبطل اللَّه ثواب أعمالهم وأحبطها وجعلها ضائعة، ولم يجعل لها ثوابا ولا جزاء في الآخرة.
فكل ما يسمونه مكارم الأخلاق، كصلة الرحم، وفك الأسارى، وقرى الأضياف، وعمارة المسجد الحرام بالسّقاية والخدمة للحجاج، وإجارة المستجير، لا يقبل مع الكفر والصدّ.
ونظير الآية: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ، فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [الفرقان ٢٥/ ٢٣].
وبعد بيان حال الكفار وجزائهم، بيّن حال المؤمنين وجزاءهم، فقال:
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ، وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ، وَأَصْلَحَ بالَهُمْ أي والذين صدقوا بالله، وأطاعوه، واتبعوا أمره ونهيه، وانقادوا لشرع اللَّه ظاهرا وباطنا، وعملوا بما يرضيه من صالح الأعمال، وصدقوا بالقرآن الذي أنزل على نبيه محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم، فآمنوا أنه حق وآمنوا بأنه كلام اللَّه، والقرآن هو الحق الثابت الذي لا شك فيه أنه من اللَّه، محا عنهم ذنوبهم التي عملوها في الماضي، وغفرها لهم بالإيمان والعمل الصالح، وأصلح شأنهم وحالهم في الدنيا والآخرة، فعصمهم عن المعاصي، وأرشدهم إلى أعمال الخير في

صفحة رقم 79

الدنيا، وورثهم نعيم الجنة في الآخرة. وهذا يشمل المهاجرين والأنصار وغيرهم من المؤمنين الذين يعملون الصالحات.
وقوله: وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ عطف خاص على عام، وهو دليل على أنه شرط في صحة الإيمان بعد بعثته صلّى اللَّه عليه وسلّم. وقوله: وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ جملة معترضة حسنة.
ثم بيّن اللَّه تعالى سبب إضلال الكافرين وإصلاح وإسعاد المؤمنين، فقال:
ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ، وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ أي إن ذلك الجزاء المتقدم للفريقين بسبب اتباع الكافرين الباطل، من الشرك بالله، والعمل بمعاصيه واختياره على الحق، وبسبب اتباع المؤمنين الحق الذي أمر اللَّه باتباعه من التوحيد والإيمان وعمل الطاعات.
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ أي مثل ذلك البيان الرائع، يبين اللَّه للناس أحوال الفريقين الجارية مجرى الأمثال في الغرابة، ويظهر مآل أعمالهم، وما يصيرون إليه في معادهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١- إن جزاء أهل مكة الذين كفروا بتوحيد اللَّه، وصدوا أنفسهم والمؤمنين عن دين اللَّه، وهو الإسلام، بنهيهم عن الدخول فيه، هو إبطال ثمرة أعمالهم في كفرهم، بما كانوا يسمونه مكارم الأخلاق، فلم يبق لهم عمل، ولم يوجد، وأدى ذلك بالتالي إلى أنه لم يمتنع الإهلاك عنهم، ولا صرفهم عن التوفيق لسبل السعادة.
والمراد بالإضلال: إبطال العمل وأثره بحيث لا يجده ولا يجد من يثيبه عليها.

صفحة رقم 80

٢- إن المغفرة هي جزاء الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحة باتباع الفرائض، واجتناب النواهي، والتصديق بالقرآن الذي أنزل على محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم وبما جاء به، دون أن يخالفوه في شيء. والقرآن: هو الحق الثابت الراسخ من ربهم، الذي نسخ به ما قبله، والمغفرة أو التكفير: الستر والتجاوز عما مضى من ذنوبهم وسيئاتهم قبل الإيمان، وإصلاح البال: إصلاح شأنهم وحالهم وأمورهم، والمراد إصلاح ما تعلق بدنياهم. وتكفير السيئات من الكريم: سترها بما هو خير منها، فهو في معنى قوله تعالى: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الفرقان ٢٥/ ٧٠].
وهذا متفق مع منهج القرآن، كلما ذكر الإيمان والعمل الصالح، رتب عليهما المغفرة والأجر، كما قال تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الحج ٢٢/ ٥٠] وقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ [العنكبوت ٢٩/ ٧].
٣- دل قوله تعالى: وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ على أن الإيمان بالقرآن المنزل من عند اللَّه شرط في صحة الإيمان بعد بعثته صلّى اللَّه عليه وسلّم. وهذا في مقابلة قوله تعالى في حق الكافر: وَصَدُّوا أي صدوا عن اتباع محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم، وهو حث على اتباعه.
٤- إن القرآن الكريم هو الحق النازل من الرب عز وجل، وفي الآية دليل على أن دين محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم لا يرد عليه النسخ أبدا.
٥- الفرق بين جزاءي الفريقين: أن إضلال الكفار وإبطال أعمالهم بسبب اتباعهم الباطل وهو اتباع إله غير اللَّه، واتباع الشيطان والشرك، وأن تكفير

صفحة رقم 81

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية