سورة محمد صلّى الله عليه وسلّم
وتسمى سورة القتال هى مدنية إلا آية ١٣ فقد نزلت فى الطريق أثناء الهجرة.
وآيها ثمان وثلاثون آية. نزلت بعد الحديد.
ولا تخفى قوة ارتباطها بما قبلها، فإن أولها متلاحم بآخر السورة السابقة، حتى لو أسقطت البسملة من البين لكان الكلام متصلا بسابقه لا تنافر فيه، ولكان بعضه آخذا بحجز بعض.
أخرج الطبراني فى الأوسط عن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يقرؤها فى صلاة المغرب.
[سورة محمد (٤٧) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣)تفسير المفردات
صدوا عن سبيل الله: أي صرفوا الناس عن الدخول فى الإسلام، وذلك يستلزم أنهم منعوا أنفسهم عن الدخول فيه، أضل أعمالهم: أي أبطلها، وهو الحق من ربهم: صفحة رقم 43
أي وهو الحق الثابت الذي لا مرية فيه، بالهم: أي حالهم فى الدين والدنيا بالتوفيق لصالح الأعمال، وأصل البال: الحال التي يكترث بها، ولذلك يقال ما باليت به: أي ما اكترثت به، ومنه
قوله صلّى الله عليه وسلم «كل أمر ذى بال»
الحديث. يضرب الله للناس أمثالهم: أي يبين لهم مآل أعمالهم وما يصيرون إليه فى معادهم.
المعنى الجملي
قسم سبحانه الناس فريقين: أهل الكفر الذين صدوا الناس عن سبيل الله، وهؤلاء يبطل أعمالهم سواء كانت حسنة كصلة الأرحام وإطعام الطعام، أو سيئة كالكيد لرسول الله والصدّ عن سبيل الله، فالأولى يبطل ثوابها، والثانية يمحو أثرها، وهكذا كل من قاوم عملا شريفا فإن مآله الخذلان.
وأهل الإيمان بالله ورسوله الذين أصلحوا أعمالهم، وأولئك يغفر الله لهم سيئات أعمالهم ويوفقهم فى الدين والدنيا، كما أضاع أعمال الكافرين ولم يثب عليها.
ثم علل ما سلف بأن أعمال الفريقين جرت على ما سنه الله فى الخليقة: بأن الحق منصور، وأن الباطل مخذول سواء كان فى أمور الدين أم فى أمور الدنيا، فالصناعات المحكمة إنما يقبل الناس عليها ويؤثرونها، لأنها جارية على الطريق القويم والنسق الحق، وهكذا الشأن فى المزروعات والمصنوعات المتقنة الجيدة، والسياسات الحكيمة.
والصناعات المرذولة والسلع المزجاة لن يكون حظها إلا الكساد والبوار، لأن الباطل لا ثبات له، والحق هو الثابت، والله هو الحق فينصر الحق، والعلم الصحيح والدين الصحيح والصناعات الجيدة والآراء الصادقة نتائجها السعادة، وضدها عاقبته الشقاء والبوار.
وقصارى ذلك- إن الله سبحانه خلق السموات والأرض بالحق وعلى قوانين ثابتة منظمة، فكل ما قرب من الحق كان باقيا، وكل ما ابتعد عنه كان هالكا، فرجال الجدّ والنشاط مؤيدون، ورجال الكسل والتواكل مخذولون، والمحققون فى كل شىء محبوبون منصورون.
الإيضاح
(الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ) أي الذين جحدوا توحيد الله، وعبدوا غيره، وصدوا من أراد عبادته والإقرار بوحدانيته وتصديق نبيّه عما أراد- جعل الله أعمالهم تسير على غير هدى، لأنها عملت فى سبيل الشيطان لا فى سبيل الرحمن، وما عمل للشيطان فمآله الخسران.
فما عملوه فى الكفر مما كانوا يسمونه مكارم أخلاق: من صلة الأرحام وفك الأسارى وإطعام الطعام وعمارة المسجد الحرام وإجارة المستجير وقرى الأضياف ونحو ذلك- حكم الله ببطلانه، فلا يرون له فى الآخرة ثوابا، ويجزون به فى الدنيا من فضله تعالى.
ونحو الآية قوله: «وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً».
قال ابن عباس: نزلت الآية فى المطعمين ببدر، وهم اثنا عشر رجلا: أبو جهل، والحارث بن هشام، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة، وأبىّ، وأمية ابنا خلف، ومنبّه ونبيه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، وحكيم بن حزام، والحارث بن عامر بن نوفل.
ولما ذكر سبحانه جزاء أهل الكفر، أتبعهم بثواب أهل الإيمان فقال:
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ) أي والذين صدقوا الله، وعملوا بطاعته، واتبعوا أمره ونهيه، وصدقوا بالكتاب الذي نزل على محمد، هو الحق من ربهم- محا الله بفعلهم سيىء ما عملوا فلم يؤاخذهم به، وأصلح شأنهم فى الدنيا بتوفيقهم لسبل السعادة، وأصلح شأنهم فى الآخرة بأن يورثهم نعيم الأبد والخلود الدائم فى جناته.
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي